كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره
1 2 3 4
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسه سودانيه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسه سودانيه. إظهار كافة الرسائل

نكاح الغلمان والتحرش الجنسي في السودان

استشرى التّحرّش الجنسي، بالفتيات والنّساء خاصّةً، خلال العقود الأخيرة بدرجة أصبح معها بمثابة ظاهرة ملفتة للنظر. وقد بلغ أمره حدّه الأقصى عندما أصبح النّاس يتعاملون مع التّحرّش الجنسي على أنّه من مخايل الرّجولة. وللتّحرّش الجنسي تاريخ في السّودان، ولو يكن غير طويل، إلاّ أنّه يكفي لترسيخ أقدام هذه الظّاهرة غير الحضاريّة وغير الأخلاقيّة. أدناه سوف نعمد إلى تاريخ هذه الظّاهرة في بعدها الذّكوري (وهو الأشيع تاريخيّاً) والأنثوي (وهذا هو البعد الخفي)، ثمّ في بعدها المزدوج، وبخاصّةٍ تحرّش الرّجال بالفتيات والنّساء، أكان ذلك في الشّارع، أم في المدارس والجامعات، أم في الأسواق أم في أماكن العمل، دع عنك المناسبات الاجتماعيّة والعامّة. يمكن تلخيص التّحرّش الجنسي sexual harra ssment على أنّه معاملة الإنسان لإنسان آخر بطريقة تهضم حقوقَ الأخير الأساسيّة والمكتسبة، الاختياريّة، بطريقة توحي بأنّ الغرض من ذلك حملُه لممارسة الجنس معه، أكان ذلك مقابل إجراءات ثوابيّة أو عقابيّة أو بدونها. على هذا لا يكون التّحرّش الجنسي مقصوراً على معاملة الرّجل للمرأة وفق هذه الكيفيّة، إذ يمكن أن يشمل معاملة الرّجل لرجل آخر، أو معاملة المرأة لامرأة أخرى، أو حتّى معاملة المرأة للرّجل. وكلُّ هذا موجود في أيّ مجتمع، لكن ربّما دون أن يأخذ منحىً سلوكيّاً مؤسّسيّاً. من أشهر أنواع التّحرّش الجنسي في السّودان، ممّا شكّل سلوكاً مؤسّسيّاً، نوعان أحدُهما قديم والآخر طارفٌ جديد نسبيّاً. النّوع القديم هو التّحرّش الجنسي البيدوفيلي، أي التّحرّش بالأطفال، في حال السّودان الذّكور منهم. وقد فشت هذه الظّاهرة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، فرفدت لنا أدباً كاملاً هو أدب التّغزّل في الغلمان، كما أنتجت لنا مؤسّسة في حدّ ذاتها قامت على استرقاق الأطفال بغرض الاستمتاع بهم جنسيّاً. التحرّش الجنسي بالأطفال وظاهرة المثليّة الذّكوريّة ربّما دخلت هذه الظّاهرة إلى السّودان مع دخول العرب المسلمين إليه. إذ يُلاحظ انعدام هذه الظّاهرة في الشّعوب القديمة المجاورة لبلاد النوبة، مثل الحبشة (إثيوبيا حاليّاً) والتي تكاد تنعدم فيها ظاهرة المثليّة الذّكوريّة. ولكن يغلب الظّنّ أنّ ظاهرة المثليّة الذّكوريّة وابتدارها بالتّحرّش الجنسي بالصّبيان، إن كانت موجودة، قد تكرّست ثقافيّاً واجتماعيّاً مع العثمانيّين والأتراك، إن لم تكن قد دخلت أصلاً معهم، منذ غزو السّلطان سليم الثّاني للجزء الشّمالي للسّودان (1565م) وصولاً إلى الاستعمار المصري التّركي (1821م). فالرّحّالة بيركهاردت (1987: 446-7) يحكي عن شكوى قدّمها له القاضي بسواكن ضدّ حاكمها عن محمّد علي باشا ليقوم بتسليمها للأخير عندما يصل إلى الحجاز. وقد شاتملت الشّكوى على عدّة تهم منها عدم اعتراف حاكم سواكن بالعملة التي ضربها محمّد علي باشا، وعدم مواظبته على حضور صلاة الجمعة. وقد كان من بين التّهم التي دُبّجت ضدّ الحاكم، واحدة بعينها، ربّما لم يسمح الحياء لبيركهاردت أن يذكرها باسمها، فشرع يلمّح بها معرّضاً. فهو يقول، حرفيّاً، بلسان القاضي، أنّ حاكم سواكن قد "... أهان وظيفته بميوله غير الطّبيعيّة" ويستخدم بركهاردت كلمة "propensities" التي تجوز ترجمتُها حسبما قمنا به، بينما تعني حرفيّاً أن ينحني المرء بنصفه الأعلى إلى الأمام، أو، باللهجة العامّيّة السّودانيّة "ينفقِس". وما كان هذا سيلفت النّظر لولا أن أضاف بيركهاردت نجمة هامشيّة فوق هذه الكلمة ليقوم بشرحها في أسفل الصّفحة بقوله: " يبدو أنّ هذه هي الجريمة الوحيدة في الشّرق التي لم تخترق بعد أفريقيا [يعني بأفريقيا بلاد السّودان التي مرّ بها]، حيث تعبّر جميع الطّبقات عن تقزّزها واستفظاعها ممّا يصفه الحجّاج العائدون بخصوص تمادي الأتراك والعرب [في هذه الممارسة] غير الطّبيعيّة". ولا يأخذنا غير عارضة عابرة من الشّك في ترجيح أن المقصود هنا هو اللواط. ففي كلّ ترحاله بين أسوان ودنقلا وبربر إلى شندي، ثمّ منها إلى التّاكا فسواكن، يشير بيركهاردت إلى سوء أخلاق السّودانيّين وأنّهم في غالبهم لا عاصم لهم من رذيلة الدّعارة النّسويّة وإدمان السّكر ثمّ الغشّ والغدر والخيانة، مع ذكره لمكارمهم أيضاً. لكنّه في كلّ هذا لا يُشير إلى حادثة لواط واحدة. وتعود أهمّيّة شهادة بيركهاردت، بالإضافة إلى دقّته وصدقه المشهود، إلى أنّه كان يخالط في رحلاته عامّة النّاس بأكثر من صفوتها. فلو أنّه مرّ بحادثة لواط أو أيّ تحرّش جنسي من هذا النّوع، لكان قد أتى على ذكرها. هذا ما كان قُبيل الحكم الاستعمار التّركي المصري بسنوات قلائل (ثماني سنوات بالضّبط، أي في عام 1813م). ولكن في منتصف القرن التّاسع عشر انتشر اللواط في الخرطوم (عاصمة دولة الاستعمار التّركي المصري) بدرجة أكبر من ملحوظة، فقد أصبح ظاهرة، وذلك جرّاء تحلّل الحكومة من أيّ التزام أخلاقي إزاء ما يحدث في المدينة، حسبما يرى بعض الباحثين. فقد كانت الخرطوم حينها تجمع شتيتاً من أجناس أوروبّيّة ومصريّة وتركيّة وسوريّة، وأرمن وشركس، وخلافه بالإضافة إلى المجموعات السّودانيّة بمختلف الجهات الأربع. ويصف أحد الباحثين أنّ ما كان "... يربط بين أخلاقهم جميعاً التّنكّب عن طريق الفضيلة والانطلاق الخالي من الضّوابط الاجتماعيّة" (أحمد أحمد سيد أحمد، 2000: 293)؛ محمّلاً المسئوليّة في ذلك إلى تجارة الرّق والعناصر الأوروبّيّة، فكان أن انتشر البغاء واللواط. وعن الأخير يقول: "واللواط في الخرطوم أكثر رواجاً من البغاء ... ففي السّوق والميادين تشاهد الجماعة من المخنّثين في ملابس النّساء والكحل في عيونهم والخضاب في أكفّهم يقودهم رئيس منهم عاري اللحية، وهم يصوّبون نظراتِهم السّافلة هنا وهناك بحثاً عن صيد. ولم يكن المال ـ في كثير من الأحيان ـ الدّافع إلى اتّخاذ هذه الصّناعة، ففي سنة 1866 كان رئيس ’اللواطيّين‘ شابّاً قويّاً في العشرين من عمره ومن أسرة طيّبة يمكن اعتبارها من أحسن العائلات البرجوازيّة في المدينة ..." (المرجع السّابق: 294). وهكذا ما إن أهلّ آخر زمن التّركيّة، حتّى وقعت حادثة نكراء، وفي مدينة الأبيّض تحديداً، عدّها البعض من الأسباب المباشرة التي أدّت إلى التفاف النّاس حول الثّورة المهديّة وقائدها. ففي الفترة التي قضاها المهدي بالأبيّض، قبيل إعلان دعوته، يروي إبراهيم فوزي (1319 هـ [1901م]، مج 2: 73-4) أنّ المهدي "... في ذات يوم سمع ضوضاء الطّبول والموسيقى بمنزل بجوار منزله، ورأى من النّاس الدّهشة والاستغراب. فسأل عن الأساب، فقيل له إنّ فلاناً النّخّاس يريد أن يتزوّج بغلام اسمه (قرفة). فلم يصدّق [المهدي ذلك] وأخيراً دعى [دعا] إثنين من أتباعه وذهبوا إلى محلّ البدعة، فوجدوا المدعوين والموائد ممدودة والموسيقى تصدح، والدّفوف تعزف. وجيء بشخص يلبس عمامةً وطيلساناً كالعلماء، فأجرى صيغة العقد، ودخل النّخّاس بالغلام. فأمسك المتهمدي [المتمهدي] سيفه وهمّ بضرب عنق النّخّاس وكلّ من قابله من أولئك الفسقة والضّالّين، فأمسكه صاحباه وحملاه إلى منزله. فاجتمع معه جماعة من المشايخ وذهبوا إلى الحكومة يشكون إليها أمر هذه المنكرات، فقوبلوا بالإهانة والازدراء، وقال لهم مامور الضّبطيّة (الدّنيا حرّة!). ثمّ ينفي إبراهيم فوزي الحادثة قائلاً: "وبالبحث وإجراء التّحقيق من رجال الحومة تحقّق أنّ المسألة ألعوبة ولم يكن لها أثر من الحقيقة" (المرجع السّابق: 74). وقد لا يؤخذ برأيه هذا، إذ جاء في معرض دفاعه عن نظام الحكم الذي كان ينتمي إليه؛ فالحادثة لا تزال راسخة في التّاريخ الشّفاهي، بل تمتدّ إلى تحديد فخذ القبيلة التي ينتمي إليها أبطالُها. ولعلّ ممّا يؤكّد ما ذهب إليه من نفي عدم ورود هذه القصّة في مذكّرات يوسف ميخائيل (أبو شوك، 2004)، إذ لا بدّ وأن تكون قد هزّت مدينة صغيرة كالأبيّض التي عاش فيها يوسف ميخائيل، إذ لم تكن أكثر من قرية ممّا نعهد الآن. ولكن، في المقابل، التّوصيف الذي قدّمه أحمد أحمد سيد أحمد أعلاه للمخنّثين وعادة التّشبّه بالنّساء يمكن أن يتّخذ كبيّنة تدعم وقوع حادثة الأبيّض التي عمد إبراهيم فوزي باشا إلى نفيها؛ ففي ظاهرة سافرة كهذه من حيث التّشبّه بالنّساء، وفي ظلّ تحلّل من قبيل الذي تمّ وصفُه، لا يستبعد المرء تطوّر العلاقة المثليّة لتصبح زواجاً، تأسّيّاً بالعلاقة بين الذّكر والأنثى. في تحقيقه لمذكّرات مذكّرات يوسف ميخائيل عمد أبو شوك (2004: ش) إلى إدخال العاكفتين المتقابلتين ([]) إمّا يحذف حرف أو كلمة لا لزوم لها في أصل المخطوطة، أو لإدخال حرف أو كلمة يرى المحقّق أنّ الكلام لا يستقيم إلاّ بها. من هذا ما نقرؤه عند وصف يوسف ميخائيل عن تكاتف الجميع، وانتفاء الفوارق الاجتماعيّة والاقتصاديّة والطّبقيّة بين النّاس في سبيل بناء التّحصينات والخندق (القيقر) حول مدينة الأبيّض قبيل محاصرتها من قبل قوّات المهدي (2004: 82-1): "وفي هذا السّاعة صار العبد مع سيّده إخوان، والعسكري مع أولاد البلد تـ[ـيـ]ـمان، والو[ا]طي بقا مع الرّجال إخوان ...". وفي رأينا أنّ المحقّق قد جانبه الصّوب في موضع العاكفتين في مفردة (الو[ا]طي)، ولربّما فضّل أن يستفيد من مساحة التّحيّز العلمي الذي يسمح له به المقام هنا. فلو أنّه غيّر موضع العاكفتين، ثمّ أبدال الألف باللام، على النّحو التّالي: (الـ[ـلـ]ـوطي)، لاستقام المعنى بأكثر ممّا ذهب إليه. إذ ما هي دلالة "الواطي"، وما مدى مقابلتها لمفهوم الرّجولة؟ فاللواط، كما أشرنا إلى ذلك في المعتقد الشّعبي العام، يذهب بالرّجولة ويضع المرء في خانة أقرب إلى النّساء من الرّجال؛ ولذا يجوز مقابلته بالرّجولة. وعلى هذا يبقى الرّجال بجانب، ويبقى المثليّون بجانب آخر، كومين متمايزين، أللهمّ إلاّ في الملمّات الشّديدة، حيث يمكن أن يتّحدوا جميعاً، وهي لحظات استثنائيّة، عادةً ما تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً. استمرّ الحال، من حيث انتشار اللواط في الفترة المصريّة التّركيّة، على هذا المنوال حتّى زمن المهديّة حيث يذكر إبراهيم فوزي باشا (1901: 173-175) خبراً عن وجود الشّواذ جنسيّاً في المجتمع السّوداني خلال الحكم الاستعماري التّركي المصري، ويسمّيهم بالمخنّثين؛ ويحكي أنّ هذه الظّاهرة كانت منتشرة، حيث كان هؤلاء المخنّثون يُرسلون شعورهم ويتشبّهون بالنّساء، فضلاً عن افتتاحهم لأنفسهم دوراً قائمة على الدّعارة الذّكوريّة بجانب قِوادتهم للدّعارة الأنثويّة. وقد أخذتهم المهديّة في أوّل عهدها بالشّدّة، فسجنتهم واستتابتهم، وأرغمتهم على أداء الصّلوات ونبذ حياة التّخنّث. ولكن ما لبث أن صعد نجم هؤلاء بفضل بعض قيادات التّعايشة وأمرائهم الذين اصطفوا هؤلاء المخنّثين وضمّوهم إليهم ليعيشوا تحت أسقف منازلهم، وعلى رأسهم عثمان شيخ الدّين (ابن الخليفة عبدالله التّعايشي) والأمير محمود ود أحمد الذي ذاع عنه تعلّقه بأحد المخنّثين. ويختم إبراهيم فوزي إفادته بإدانة لهؤلاء الأمراء قائلاً: "كما إنّ العقل يستبعد سلامة أولئك الأمراء من التّلطّخ بأوضار تهمة اللواط أعاذنا الله منها" (المرجع السّابق: 175). وقد وقعتُ على قصص مرويّة شفاهيّاً، دون أن أقع على توثيقٍ لها، تحكي عن تعامل الخليفة عبدالله مع هؤلاء. فمع الوفود المبايعة له جاء شيوخ المهن، مثل شيخ النّجارين، وشيخ الحدّادين إلخ؛ وفي الضّمن جاء شيخ المثليّين (الملاوطيّة)، فاحتجّ الخليفة في جرأة هؤلاء وقدومهم، فهدّأ القومُ من حوله من روعه، مشيرين إلى خطر هذه المجموعة وما يمكن أن تلعبه من دور سلبي في حال مباشرتهم بالعداوة. وصادف أنّ اسم شيخ المثليّين كان "عبدالله"، على اسم الخليفة. وعندما سأله الخليفة عن اسمه، ردّ بلباقة: "يسلم الاسم"، فشدّ طلب الخليفة للاسم، فردّ مرّة أخرى بلباقة: "الاسم سالم"، وذلك اتّقاءً لغضب الخليفة، فسار ذلك مثلاً، كما سار عليه الاسم "سالم". وقد سُرّ منه الخليفة أيّما سرور للباقته وحسن حديثه، فختم لقاءه بتعليق سار بدوره مثلاً: "الملاوطيّة قولكُم زين، إلاّ فعِلْكُم شين"، ثمّ صرفه. فيما بعد تؤكّد الرّوايات الشّفاهيّة إدخال الخليفة للمثليّين إلى السّجن (سجن السّاير). وقد حدث في إحدى زياراته إلى السّجن أن استقبله المثليّون بالزّغاريد، على عادة النّساء في التّرحيب، تسليماً منهم بما عليه أمرُهم، فضحك الخليفة، وكان رجلاً لا تفوته روح الدّعابة على قسوته المفرطة، فردّ ممازحاً لهم: "الملاوطيّة صوتكم سمِح بالحيل". ويحكي سلاطين باشا (1978: 264) عن أنّه "وُجد في السّودان في أوائل حكم الخليفة عبدالله قوم أمعنوا في ضروب الفساد وأطلقوا العنان لشهواتهم فعاقبهم الخليفة في مبدأ الأمر بنفيهم وتشريدهم إلى الرّجّاف، ولكنّه عدل عن ذلك بعد قليل من الزّمن وانتهى إلى حلّ حاسم وهو سهولة كبرى في معاملة شعب بعيد عن الأخلاق القويمة ...". فهل تُرى جاء قوله في معرض الإشارة إلى المثليّين ممّن أُطلق عليهم وصف المخنّثين؟ على أيٍّ، تُفيد هذه المحكيّات عن أنّ ظاهرة الشّذوذ الجنسي الرّجالي كانت مستشرية في المجتمع السّوداني الذي تسيطر عليه حرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة خلال الاستعمار المصري التّركي وكذلك خلال حكم المهديّة. وبما أنّه لا توجد إفادات عن هذه الظّاهرة في فترة التي تسبق الاستعمار المصري التّركي (أو لم نقع عليها مع شدّتنا في طلبها، بما يمكن أن يعني محدوديّة الظّاهرة إن كانت موجودة)، يمكن القول باطمئنان كبير أنّ الاستعمار التّركي المصري هو الذي أرسى قواعدها، إن لم يكن قد أدخلها. وقد زاد تكريس هذه الظّاهرة خلال عقود الاستعمار البريطاني المصري منذ بدء القرن العشرين، إذ لم تتساهل فقط الإدارة البريطانيّة إزاء تحرّش موظّفيها وإداريّيها ومدرّسيها بأطفال المدارس وصغار موظّفي الدّولة، بل غضّت الطّرف عنهم عمداً تعويضاً لإداريّيها الذين كان أغلبُهم حديثي تخرّج من الجامعات، إذ ربّما لم تكن تسمح لهم شروط الخدمة القاسية، ذات الشّدّة، بأن يتزوّجوا إلاّ بعد سنوات من الخدمة. وربّما كان في المخطّط من وراء الإذن غير المباشر بالتّحرّش بالأطفال كسر كرامة رجال الغد في مجتمع مسلم محافظ يُنظر فيه إلى اللواط على أنّه يذهب برجولة الضّحيّة في حال التّحرّش، أو بصورة إجماليّة الشّخص الملوط. تكرّست النّظرة الإزرائيّة فيما يتعلّق بذهاب ممارسة اللواط بالرّجولة في بنية الثّقافة العربيّة الإسلاميّة (بل في غالب الثّقافات في العالم) بافتراض أنّ المجامعة الجنسيّة لا تحدث إلاّ بين ذكرٍ وأنثى. وبالتّالي من يقع عليه فعل اللواط يحتلّ موقع المرأة، وبالتّالي لا يصبح رجلاً مكتمل الرّجولة. وبالفعل تماهى المثليّون في غالبهم الأعمّ مع هذه الفرضيّة، فتخنّثوا، أي أظهروا مخايل الأنوثة مع كونهم فيسيولوجيّاً رجال. كما زادت على ذلك الثّقافة العربيّة الإسلاميّة بمقايسة اللواط على قواعد اللغة النّحويّة، فأصبح لدينا مفهوم الفاعل والمفعول به. جاء في الأثر عن عكرمة، عن ابن عبّاس الحديث التّالي المنسوب إلى النّبي (ص): "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به". وقال سيّد سابق (1971، مج. 1: 275): "رواه الخمسة إلاّ النّسائي. قال في النّيل: وأخرجه الحاكم والبيهقي. وقال الحافظ: رجالُه موثوقون إلاّ أنّ فيه اختلافاً". فبرغم ثقاته إلاّ أنّ به اختلافاً؛ ومع كلّ هذا لم يشفع هذا الاختلاف في تخفيف حدّة التّصنيف والتّحميل. ولعلّ ممّا يُضعف هذا الحديث، على ما فيه من رواةٍ ثقاة، جودة سبك التّعبير الخطابي في مصطلحي "الفاعل" و"المفعول به"؛ فهنا شبهة ألاّ يكون هذا التّعبير قد تبلور إلاّ بعد أنّ تطوّر علم النّحو والصّرف واكتمل بناء مصطلحاته العلميّة. وكلّ هذا يتّفق مع السّلوك العام في الثّقافة الشّرقيّة القائمة على حرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة التي ينتقص فيها اللواط من كرامة ورجولة المفعول به دون الفاعل (مع التّحفّظ لما في الخطاب الاصطلاحي من رنّة لفعل الاغتصاب). وربّما كانت منجاة الجاني (الفاعل) من المعرّة بسبب القوّة الماديّة للرّجل إزاء المرأة، وعلى هذا قيس وضع اللواط. أمّا منجاة الفاعل من مغبّة التّعيير المنتقص من الرّجولة في الفترة الاستعماريّة بالسّودان فقطعاً تعود إلى السّلطة التي التي كان يتمتّع بها الفاعل الاستعماري. بهذا ساءت سمعة المدارس النّظاميّة أوّل عهدها بالنّظر إليها على أنّها مفسدة للأولاد. فشت ظاهرة التّحرّش الجنسي اللواطي خلال القرن العشرين على وجهٍ أخصّ في المراكز الحضريّة، وارتبطت بالمدارس وطبقة الأفنديّة، واشتُهر أكثر ما اشتُهر بها قطاع من المدرّسين ورؤساء الأقسام بدواوين الحكومة، ثمّ في مجالات حداثويّة أخرى مثل الرّياضة والغناء، ثمّ بين بعض السّاسة والمتنفذّين في جهاز الدّولة. وهكذا انتشرت ظاهرة اللواط بكثرة نسبيّة قبيل منتصف القرن العشرين واضمحلّت في أخرياته، ولا عجب، إذ كانت تتلقّى رعاية استعماريّة بمجرّد غضّ الطّرف عنها. وقد ساعد في انتشارها انتكاسة وضع المرأة في المراكز الحضريّة بخلاف وضعها في الرّيف. وهذا يشي بالوضع المقلوب للحداثة ممّا أفضنا فيه في مكوّنات إنسان أمدرمان. كما ساعد انفتاح المجتمع نوعيّاً في أخريات القرن العشرين، جرّاء تزايد تعليم البنات وانفتاحهنّ، على زوال واضمحلال الظّاهرة. ولا نعني بذلك انتهاء المثليّة، فهذا ممّا لا يمكن الزّعم به؛ ما نعنيه هو اختفاء ظاهرة التّحرّش الجنسي بالصّبيان (أو ثقافة الغلمان) بوصفها من مخايل الرّجولة والفحولة. يخرج الصّبيان الذين تعرّضوا للاعتداء الجنسي، في المجتمع السّوداني المحكوم بمعياريّة الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، وهم يعانون من جملة من المشاكل المرتبطة بالفهم الخاطئ للرّجولة، إذ عادةً ما ينشأون برجولة مجروحة ومشكوك فيها، وهكذا قد يخرجون للنّاس في مقبل أيّامهم بنفسيّة أذَويّة traumatized، مصابة بعدم الثقة في النفس. وبالتّالي قد تعمد هذه الشخصية لأن تكون تصالحية غير مهاجمة. وعلى هذا قد يحدث تماهي، فيقضون بقيّة حياتهم متصالحين مع حقيقة أنهم خُلقوا هكذا. ولكن هذا قد لا يعني رضاءهم فعليّاً وحقيقيّاً بهذا المصير، فقد تتولّد في دواخلهم أحقاد دفينة تجاه المجتمع ككلّ، وبخاصّة إزاء القطاعات التي تزدريهم. ومن بين رماد هذا الحقد الدّفين ربّما تتخلّق جرثومة نزعات لعنف كامن عميقاً في تلافيف النّفس وخفاياها اللاشعوريّة. وبالطّبع ليس أيسر من توظيف هذا العنف الكامن من قبل العديد من الجهات المستغلّة manipulative، التي لا يوجد "أشطر" منها في اكتشافه والانتباه لوجوده رغم كمونه. ولكن لا بدّ من توفّر التّهيّؤ النّفسي حتّى تقوم هذه الجهات بتحريك تكتيكاتها التي تأتي بأحد حالتين، الأولى إعلائيّة sublimative والثّانية انحطاطيّة degenerative. يكمن التّكتيك الإعلائي في أن يقوم هذا الشّخص المأزوم (أو أن يُدفع ليقوم) بالانتماء إلى حركة فكريّة سياسيّة، أو أيّ تنظيم آخر، من المفترض أنّه يعمل في سبيل صالح المجتمع والإنسانيّة (كيفما اتّفق فكرُه)، وذلك إمّا تكفيراً أو تجاوزاً لجراحات النّفس الغائرة من ذلك الماضي الأذوي؛ وتأتي الحركات الإسلاميّة بخاصّةٍ والدّينيّة بعامّة كأحد أقوى المرشّحين لاستيعاب هذه الشّخصيّات المأزومة، وذلك كون الدّين يكفّر ويجُبّ ما قبله، على عكس الحركات اليساريّة الكلاسيكيّة، إذ ترفض هؤلاء وتعتبر ذلك الماضي نقيصة لا تُكملُها منجزات مقتبل العمر ومآلاته. وفي الحقيقة ظلّت تهمة التباس ماضي بعض منسوبي حركة الإخوان المسلمين بالمثليّة في مطلع شبابهم تطاردهم إلى الكهولة، بالحقّ أو بالباطل. من ذلك ما أورده شوقي ملاّسي (2004: 31) بخصوص أهداب التّهمة التي لاحقت زعيم حركة الإخوان المسلمين، شيخ حسن التّرابي، طيلة عمره منذ أيّام الطّلب بمدرسة حنتوب الثّانويّة، أوائل الخمسينات، والرّجل لا يعبأ بها في صمدانيّةٍ نضاليّة تستوجب الإعجاب. يقول ملاّسي: "مضى العام الدّراسي الثّالث هادئاً قبل أن تنفجر قنبلتان. كانت الأولى اجتماعيّة وغير هامّة، لكنّها شغلت المدرسة ومجتمعاتها زماناً. وقعت الحادثة في داخليّة أبو عنجة، التي كان يرأسها جعفر نميري، وعرفت بقصّة (كشكوش ـ التّرابي) عندما انتشر خبر عن اعتداء، أو محاولة اعتداء من الطالب كشكوش على الطّالب حسن التّرابي. وراجت قصص وسط الطّلاّب حول هذا الأمر، ونتج عن ذلك الحادث طرد الطّالب كشكوش من المدرسة، ثمّ طلب المستر براون [ناظر المدرسة] من الطّالب حسن التّرابي أن يستعدّ لامتحان الشّهادة من الصّفّ الثّالث. وبالفعل امتحن التّرابي ونجح في إحراز شهادة كيمبردج، متفوّقاً حتّى على زملائه الذين امتحنوا معه بعد إكمالهم للصّفّ الرّابع". بعد هذا يورد ملاّسي أنّ القنبلة الثّانية ذلك العام كانت تتعلّق بقرار وزير المعارف، عبد الرّحمن علي طه، بطرد مائة طالب من مدرسة خور طقّت الثّانويّة بالقرب من الأبيّض. ونقدّم هنا عدّة ملاحظات، أوّلها أنّ الحادثة غير مؤكّدة لشاهد عصر إذا ما كانت اعتداءً قد وقع أم محاولة اعتداء؛ ثانياً، لم يأبه ذلك المجتمع، ولا يزال غير آبهٍ، بهذه التّفصيلة المهمّة، فهو في تعطّشه الفضائحي يساوي بين وقوع الحدث وبين المحاول فيه؛ والمجتمع في هذا إنّما يتصرّف مثل مدمن المحدّرات الذي يتمنّى لو أنّ المجتمع كلّه قد أصبح مدمناً. فانتهاك أعراض الصّبية أصبحت منتشرة لدرجة انّ هناك تيّاراً غالباً يريد لأيّ صبي صغير أن يقع ضحيّة لهذه الظاهرة الغاشمة، أكان ذلك بالحقّ أم بالباطل؛ ثمّ فلنلاحظ كيف طوى النّسيان الجاني، بينما لم يتحرّر الضّحيّة من تبعة تهمة لم تثبت عليه بالدّليل القاطع. ومن أكثر الإفادات جسارةً في هذا الشّأن ما نسبته بعض أعمدة الصّحف الموالية للحركة الإسلاميّة على لسان أحد الولاة (كرم الله عبّاس، والي القضارف) باتّهام بعض منسوبي الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) بممارسة اللواط وإمكانيّة فتح بيوت مخصّصة لهذا، مع التّهديد بإغلاقهاً. فقد جاء عن الوالي أنّه "... مضي في جنونه ليقول بالصّوت العالي إنّ هناك ممارسات لا أخلاقيّة، حتّى داخل حزب المؤتمر الوطني، متّهماً بعض أعضائه بممارسة أفعال قوم لوط، وحدّد أماكن بعينها لترك فتح [كذا] أبوابها لهؤلاء المنحرفين، مهدِّداً إيّاهم بإغلاقها خلال مدّة زمنيّة لا تنقص ولا تزيد" (عبد الماجد عبد الحميد، عمود صدى الخبر، "كرم الله عبّاس: سقوط القناع والعمامة"، جريدة الانتباهة، 8/5/2010، العدد رقم 1597). ولكن، الحقيقة التي لا يمكن أن يماري فيها النّاس أنّه لا يمكن حصر هذه الممارسة في فئة بعينها، ذلك أنّ المثليّة الذّكوريّة ليست سوى ثقافة استشرت بين طبقة الأفنديّة، وترسّخت منذ عقود سبقت قيام تنظيم الإخوان المسلمين بكثير. أللهمّ إلاّ أن يكون ذلك لغرض، مثلما هو الحال في الكيد لشيخ التّرابي. أمّا التّكتيك الثّاني الانحطاطي، فهو أن يتمكّن الحقد من الشّخص المأزوم إلى درجة أن يصبح مستعدّاً للانتقام الذي لا يلحق بمن آذوه بالضّرورة، بل بالمجتمع الذي قد يبدو غير مبالٍ به ولا بما يعانيه. وأكثر التّنظيمات الملائمة لاستيعاب هؤلاء هي الأجهزة الأمنيّة في الأنظمة الديكتاتوريّة، حيث يضطلعون بمهام التّعذيب الوحشي الذي يشبع فيهم نهمَهم المرضي للانتقام. هناك أدلّة كثيرة تشير إلى أنّ أجهزة الأمن خلال نظام مايو قد لجأت إلى استخدام بعض ضحايا التّحرّش الجنسي الأطفالي، ممّن انتهى بهم الأمر على المثليّة، في غرف تعذيبها. كما هناك إفادات عديدة عن العنف المبالغ فيه الذي بدأ به نظام الإنقاذ الإسلامي، حيث يرى بعض المراقبين إمكانيّة أن يكون لهذا العامل دور كبير في صرعة التّعذيب الوحشي فيما عُرف ببيوت الأشباح. وحسب فهم ميشيل فوكو في مسألة الانضباط والعقاب، قد تكون هذه النّقلة العقابيّة التي لم يألفها المجتمع قد جاءت كتطوّر لتراكمات الحقد والكراهيّة الذّاتيّة والأخرويّة، مدّشنةً بذلك عهد انتهائها (راجع الفصل الثّامن أعلاه). ولكن مع هذا لا تخلو المسألة من محاولة لمقايسة الوضع في بعض الدّول المجاورة، العربيّة منها والأفريقيّة، بوضع السّودان. هذا ما كان بخصوص التّحرّش الجنسي الذّكوري، وهو شيء ذو خطر في مجتمع تقليدي يربط المثليّة الجنسيّة بالأنوثة، وهذا ما استدعى التّعرّض له لتبيين أنّه شيء يختلف تماماً، الأمر الذي يوجب آليّة مختلفة للتّعامل معه، ومنذ الصّغر. أمّا النّوع الثّاني من التّحرّش الجنسي فهو ذلك الموجّه ضدّ المرأة وصغار الفتيات في العمل والمدارس والجامعات تباعاً، وهو ما سنتعرّض له أدناه، لكن ليس قبل التّعرّض للمثليّة بين النّساء. التّحرّش الجنسي بالمرأة وظاهرة المثليّة النّسائيّة فيما يتعلّق بالمثليّة النّسائيّة هناك مؤشّرات عديدة، ولكن مسكوت عنها بطبيعة الحال، تُشير إلى أنّها كانت قد استشرت إبّان العهد المايوي عندما كان تنظيم الاتّحاد الاشتراكي يدير شئون البلاد. وقد دخلت هذه الظّاهرة إلى غِيابة المسكوت عنه، وذلك بزوال نظام مايو الذي لم يكن سوى قائمة عرض طارئة لظاهرة ربّما كانت أرسخ قدماً منه. فالمؤكّد أنّ هذه الممارسة كظاهرة بدأت في منتصف القرن العشرين، وذلك تحديداً بامرأة من أصول شاميّة، وُلدت بالسّودان، ثمّ درست بالخارج وعادت إليه وهي ناضجة. وقد استهدفت نساء الأسر من الطّبقة المتميّزة اجتماعيّاً. بعد ذلك انتشرت هذه الظّاهرة بين النّساء والفتيات العاملات، أي اللائي خرجن للعمل. وربّما كان ذلك معاوضةً لتشدّدهنّ في التّعفّف من حيث علاقاتهنّ بالرّجال، وهو ما جعل المجتمع يقبل أن يخرجن للعمل. في منتصف ستّينات القرن العشرين استشرت هذه الظّاهرة بين العديد من النّساء العاملات في الخدمة العامّة، وتحديداً المهن التي ترخّص المجتمع للنّساء بمزاولتها كالتّعليم والتّمريض وخلافه، وبوجهٍ أخصّ انتشرت بين العاملات اللائي عشن حياة الدّاخليّات. وهكذا ما إن جاء نظام مايو حتّى خرجت هذه الظّاهرة إلى الضّوء، مستقوية بالوضع المائز الذي نالته المرأة أوّل سنيّ مايو. وقد تردّد حينها أن بلغ الأمر درجة قام معها الرّئيس نميري باستدعاء بعضهنّ، محذّراً لهنّ ممّا يفعلن. واليوم لا تزال المثليّة النّسائيّة تمارس، وبخاصّةٍ بين فتيات الجامعات، دون أن يبلغ المجتمع درجة ولو دنيا من الرّشاد والنّضج لمواجهة هذه الظّاهرة. وكيف يمكن لنا أن نحلم بهذا في مجتمع ازورّ عن مواجهة قضيّة دوليّة مثل مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)! ولعلّ ممّا يجعل المثليّة النّسويّة كامنة في تلافيف قطاعات المجتمع وغير ملحوظة ذكوريّة المجتمع الطّاغية نفسها. إذ حكمت أيديولوجيا هذه الذّكوريّة على المرأة أن تتقلّص حركتُها في أضيق مجال ممكن. في هذا جاز استفراد النّساء بعضهنّ ببعض دون أن يُثير هذا شكوك الرّجل. ولهذا قد لا يلاحظ مجتمع الذّكور وجود هذه الظّاهرة بين نسائه، بينما تعجز النّساء عن تداول هذه القضايا بغية تعيير من يقعن تحت طائلة المثليّة منهنّ لذات التّابوهات المتعلّقة بالجنس إلاّ خلسةً. كما ساعدت ذكوريّة المجتمع الطّاغية في تجاهل هذه الظّاهرة من منطلق أنّ المثليّة النّسائيّة لا ضرر منها ولا خوف طالما أنّ المرأة لا تملك عضواً ذكريّاً، ذلك كون هذا العضو شرطاً لازماً لتشكّل التّابو الجنسي، هذا حتّى لو اصطنعت المرأة لها واحداً ممّا رفدت به التّكنولوجيا الحديثة. فذكوريّة المجتمع جعلته عاجزاً عن تصوّر أيّ مواضعة جنسيّة مكتملة بغير وجود الذّكر مع عضوٍ قادر على الانتصاب. وهذا هو السّبب وراء التّرخّص في مخالطة المخصيّين للنّساء في هذه المجتمعات؛ وهي ثقافة انتشرت وتمدّدت حتّى شملت جميع الخدم الذّكور، إذ ربّما تتصرّف نسوة البيت المتسيّدات أمامهنّ بغير احتشام وذلك باعتبار أنّه من غير الوارد أن تبلغ به رجولتُه المجروحة بالاستخدام المنزلي مبلغ أن يُستثار بسيّدته. فهذا الاستخدام، ولو كان بأجر مدفوع، ليس سوى ابن ثقافة الرّقّ كونه لا يُحبّذ الاستخدام المنزلي إلاّ من المجموعات التي كانت مؤسّسة الرّقّ تستهدفها تقليديّاً، مثل جبال النّوبة، الجنوب، وما شابه. في المقابل، قد يتماهى الخادم في طهرانيّة ظاهريّة مع مسكنة متغابية، من خلالها يكرّس لمكانته في الأسرة كخادم أمين (ولد بيت). التّحرّش الجنسي بالمرأة واستعراض المرأة للرّجال في الشّارع يعود التّحرّش الجنسي بالفتيات والنّساء في شمال السّودان والمراكز الحضريّة بعموم إلى الوضع المقلوب للمدينة من حيث الانفتاح النّوعي بين الجنسين. فقد حكمت المدينة في بدايات تشكّلها على المرأة أن تقرّ في بيتها فلا تخرج منه إلاّ لضرورة؛ هذا بينما رفيقتُها في الرّيف، بصورة عامّة، تشارك الرّجل العمل في الحقل وفي السّوق وفي كلّ مناحي الحياة. تمخّض عن هذا قانون اجتماعي مؤدّاه أنّ على المرأة أو الفتاة التي تخرج من منزلها أن تتحمّل مسئوليّة ما يحدث لها، وما يحدث لها هو بالطّبع التّحرش الجنسي الذي يبدو كما لو كانت قبيلة الرّجال قد توحّد رأيُها بخصوصه. فالرّجال، يتبعهُم الغاوون من الفتية والصّبيان، كما لو انعقدت مخايلُ الرّجولة عندهم على عدم تفويت أيّ فرصة للتّحرّش الجنسي بالمرأة متى ما كان ذلك متاحاً ولو بصورة عابرة؛ فمجرّد اقتراب المرأة أو الفتاة من الرّجل أو الفتى كفيل بأن يجعل الأخيرَين يسعيان للاحتكاك بها وملامسة جسدها كيفما اتّفق؛ فإمّا لكزاً بالكوع في خاصرتها إذا ما جلست بجانبه في المركبات العامّة، أو احتكاكاً بالأقدام تحت ستار المقاعد، أو غمزاً بخائنة الأعين، أو حتّى همزاً بالأصابع. هذا فضلاً عن التّحرّش اللفظي المفتوح في مشارع الطّرقات العامّة والذي عادةً ما يستهدف التّلميح إلى جسدها بأسلوب أقلّ ما يمكن وصفُه أنّه بذيء. هذا هو واقع الحال في المراكز الحضريّة من السّودان التي تطرح نفسها كنماذج لإعادة إنتاج الهوامش الرّيفيّة. والغرض النّهائي من هذا النّوع من التّحرّش الجنسي تكريس دونيّة المرأة وليس استدراجها بغية مواقعتها جنسيّاً بالضّرورة، مع إمكانيّة حدوث هذا في أيّ حالة مواتية. تدهورت العلاقة النّوعيّة في السّودان خلال العقود الأخيرة إلى درجة أن أصبح التّحرّش الجنسي أساسها في الغالب الأعمّ. ومكمن التّدهور يعود إلى أنّ التّحرّش الجنسي قد حقّق طفرة، إذ لم يعد الغرض منه تكريس إحساس الرّجل بتفوّقه الذّكوري إزاء إحساس المرأة بدونيّتها الأنثويّة، بل تعدّاه ليصبح سلوكاً مؤسّسيّاً الغرض منه قهر المرأة من خلال التّعامل المباشر معها، بمعاكستها في عملها وإعاقتها في دراستها أو حرمانها من الخدمات الأساسيّة. كلّ هذا لحملها على الخضوع الجنسي إشباعاً لنهم الرّجل الذي عادةً ما يكون في موقع يمكّنه من إلحاق الأذى أو الضّرر الدّراسي أو الوظيفي أو الخدمي بها. وبلغ الأمر غايتَه الدّنيا من حيث الانحطاط عندما تحوّل إلى ابتزاز يقوم به العديد من الرّجال في أمكنة العمل أو في الجامعات، فإمّا أن تسمح لهم المرأة أو الفتاة بأن يضاجعوها، وإلاّ فاتتها التّرقية، أو حتّى الوظيفة نفسها، أو درجة النجاح مهما جدّ منها العزم وتجلّت فيها النّباهة. حدث هذا التّدهور المريع في سياق بعينه يمكن تلخيصُه في ثلاثة عوامل، أوّلُها هو اتّحاد بنيتي الوعي التّناسلي والوعي البرجوازي، وهو أمر قديم، بيد أنّه تكرّس بغياب أيّ مشروع للحداثة، وهو ما لخّصناه في النّظرة الانحطاطيّة للرّجل إزاء المرأة وشعوره بأنّها ممّا يُشترى بالمال. ويعود هذا إلى سيادة مفهوم الشّرف المادّي الذي يستند على الجسد كمختبر مادّي للعفّة والطّهارة. وهذا يعكس بعد مجتمعاتنا عن مفهوم الشّرف كقيمة أخلاقيّة، جماليّة، يستمدّ محكوميّته من شفافيّة الجمال، لا غلاظة الجسد. أمّا العامل الثّاني فهو موجة الهوس الدّيني التي استحكمت في العقود الأخيرة، والتي لم ترَ في المرأة شيئاً بخلاف مظنّة الرّزيلة. وبما أنّ هذا النّمط من التّديّن عادةً ما يكون مهجوساً بالجنس، لذا نشط في تفويج الزّيجات بطريقة مهووسة تعكس درجة تهجيسه بالجنس وبالمرأة. كما عمل في نفس الوقت، محكوماً بتهجّساته الجنسيّة، إلى تشريع أنماط من الزّواج لم يعرفها المجتمع السّوداني المسلم، مثل زواج المسيار، لا نشداناً لفقهٍ حداثويٍّ ينقذ شبابَنا من تبكيت الضّمير إزاء موجة التّحرّر الجنسي، بل إشباعاً لرغباتهم الجنسيّة في المقام الأوّل بحيث يُتيح لهم مواقعات جنسيّة ميسّرة وبأقلّ تكلفة. أي الانجراف مع موجة التّحرّر الجنسي وبأقلّ التّكاليف، ولكن من منظور فقهي يعفيهم من المساءلة، كما لو كان المسّائل بشراً وليس الله. أمّا العامل الثّالث فكان انصياع مؤسّسة الدّولة، عبر أجهزتها الحزبيّة السّياسيّة للخطاب الدّيني العقابي، الانضباطي نفسه، للدّرجة التي كأن لم يعد للحكومات من مهام غير ضبط النّساء والفتيات خشية أن يأتين بالفاحشة. فلأن تغطّي النّساءُ رؤوسهنّ أصبح أعلى درجة عند الحكّام الملتاثين من النّظر إلى ما إذا كانت النّساء يتمتّعن بصحّة جيّدة، دع عنك أكل مال السُّحت وظلم النّاس وتقتيلهم بغير وجه حقّ، كما دع عنك التّفريط في الأرض. وقد كان نتاج هذا كلّه أن زادت الرّزيلة بدرجة أصبحت فيها المرأة تُستعرض من قبل الرّجال في الشّوارع بغية إغوائها ومواقعتها في اجتراءٍ لم يعرفه المجتمع السّوداني من شماله إلى جنوبه، من غربه إلى شرقه في عقوده السّابقة. وظلّت قبيلة الرّجال في غالبها الأعمّ تنظر إلى هذا على أنّه من سيماء الفحولة وممّا لا يُعيب، بل يجلب المفخرة. وهكذا إن هي إلاّ زمن قليل حتّى تماهى قطاع من المرأة في ذات السّلوك، فأصبحت تستعرض الرّجالَ، ليس في زوايا الطّرقات المعتمة ليلاً فحسب، بل في رابعة النّهار والشّمسُ رأْد الضّحى، في انتظار من يقلُّها فيمنحُها بدرةً من مال، فتمنحُه جسدَها. بيد أنّ هذا لا يجلب لها أيّ مفخرة، ولا غرو، إذ تبوء بالعار المرأةُ وحدها. ثمّ بلغ الحال أن برزت النّساءُ العاملاتُ في الدّعارة الشّوارعيّة وهنّ محجّبات، منقّبات، تمويهاً وإغراءً، إذ ليس أشهى للرّجل الملتاث من مواقعة المرأة العصيّة، المحجوبة عن الرّجال ـ مظهراً لا مخبراً. عند هذا يفقد المجتمع حسَّه العام common sense، وليس أقتل للمجتمعات من هذا. وهكذا لم يعد هناك معيار للطّهر والعفاف عند الرّجال أو النّساء، فانهزمت القيم إذ غابت مُمايِزاتُها. فالفُسق والعهر السّياسي لا محالة سيجلب معه كلّ أنواع الفسق والتّعهّر الأخلاقي. وهذه هي بالضّبط المسئوليّة الجماعيّة للدّولة، كونها آليّة تركيز الإرادة الجمعيّة. حقّاً، لقد أخرجت الإنقاذ أسوأ ما في الشّعب السّوداني
أكمل القراءه

اغتصاب .. الحريات بالتراضي من هنا وغادي!!

*مجريات الأحداث في بلادنا تسير بخطى متسارعة نحو إلهائنا عن زمهرير الواقع السياسي المستعر، فإفتعال المعركة المتوهمة حول مقالة الزميلة شمائل النور (هوس الفضيلة ) والاستعداء الرخيص الذي ابتدره الطيب مصطفى ثم يركب معه ذات المركب الداعشي المهووس محمد علي الجزولي ليملأ الأفق السياسي بجعجعة مسيئة للدين ولأخلاق السودانيين، وعندما تناولنا موتور داعش بأقل مما يستحق ثارت ثائرته ولم نجد عنده سوى فحيح الأفاعي ليثير نوازع إرهاب يخيف أمثاله ولكنه لا يهز شعرة من شعر الأحرار ورجولة الرجال، وها هم يريدون أن يتخذوا من شمائل مطية لفرض مناخ الإرهاب الفكري والسياسي والديني بعد أن أشاعوا مناخات من الكراهية والأحقاد، وكل ما يحدث الآن من لغط هو خطوة حكومية لاغتصاب الحريات بالتراضي من هنا وغادي..
*ومن باب آخر من أبواب الاستغفال السياسي ندلف من بوابة لجنة الأستاذة بدرية سليمان وتلكم الحملة الشعواء حول تأخير وتعطيل التعديلات الدستورية وعندما لم تجد موضوعاً خرجوا علينا كما هي العادة في السابق بدين رعته الأستاذة بدرية وأنتج قوانين سبتمبر 83 التي ورثتها الإنقاذ ثم نعتها السيد رئيس الجمهورية في خطاب القضارف بأنها كانت (شريعة مدغمسة)، وخرجت علينا بالأمس ببدعة (زواج التراضي) التي تلقفها كبار ممثلي الهوس الديني د. عصام أحمد البشير، وعبدالحي يوسف وذاك الداعشي المرتد حسب فقه الدواعش والمستأسد على الزميلة شمائل أنار الله دروبها.. كل هذا لتغطية عجز النظام وعجز بدرية في الخروج من مأزق تقليص صلاحيات جهاز الأمن وهو البقرة المقدسة وصمام الأمان للنظام الأعرج الذي يحتاج دوماً لآلة قمع لتمرير سياساته، فانصرف الأمن عن دوره الأساسي في حماية الأمن الوطني، من مهددات السيادة الوطنية ومنصرفاً عن توفير قاعدة البيانات التي تعتمد عليها السياسة الخارجية في عصر اقتصاديات المعرفة وصراع الأسواق الذي يفكك البلدان ويرفع من وتيرة الصراع العرقي والديني.. وهذا ما يعبد طريق السير لاغتصاب الحريات بالتراضي من هنا وغادي..
*إن اللغط الدائر حول قضية زواج التراضي وما صاحبه من رحابة في حلقوم هيئة علماء السودان وسدنة الهوس الديني وهم يتوهمون _ كعادتهم _ معركة في غير معترك لا لسبب الا ليشغلوننا عن فشل الجكومة في تفكيك السلطات المطلقة لجهاز الأمن وبالتالي حركة الالتفاف التي لم يشاور فيها الشريك الأكبر للمؤتمر الوطني، المؤتمر الشعبي فباختلاف اللصان يظهر المسروق، فهل ينجح نهج اغتصاب الحريات بالتراضي، من هنا وغادي؟! الأيام حبلى ستلد الجديد!! وسلام ياااااااوطن..
سلام يا
الدكتور مضوي إبراهيم والسائق والسكرتيرة والأستاذة تسنيم المحامية بدارفور، ما زالوا رهن الاعتقال، وفي مناخ الحوار الذي أوشكنا أن نصدق ميلاد دولة القانون الا أنهم لم يقدموا للمحاكمة ولم يطلق سراحهم فكيف يكون هذا؟! وسلام يا
أكمل القراءه

إنفجار (أركويت) و تفجيرات (السلمة).. القصة الكاملة

طوقت الشرطة شارع في حي 46 بمنطقة اركويت، واقامت حواجز على مسافة 80 مترا بطول الشارع وارتكزت سيارتها على الجانبين.
وأفاد بيان أصدره المكتب الصحفي للشرطة ، مساء الأحد إن شرطيا كان قريباً من موقع الحادث فجر الأحد، أبلغ غرفة النجدة بانه “سمع صوت انفجار بسيط بضاحية اركويت جنوبي الخرطوم تأكد لاحقاً انه صادر من شقة من احدى البنايات بالمنطقة “.
وأضاف ” تحركت قوة من الشرطة مدعومة بخبراء الادلة الجنائية المختصين فى مسرح الحادث والمتفجرات وفريق متخصص من جهاز الامن والمخابرات الوطنى وتم اقتحام الشقة التى وجدت بداخلها مواد محلية تستخدم فى صنع المتفجرات البدائية وجوازات سفر اجنبية”.
وتابع ” من خلال التحريات اتضح ان متهماً بعينه بدأ فى صناعة عبوة متفجرة الا انها انفجرت اثناء عملية الصنع والحقت به اصابة طفيفة اضطرته لطلب العلاج فى احد المستشفيات القريبة التى رفضت علاجه دون ابلاغ الشرطة الامر الذى جعله يغادر دون علاج”.
وأفاد البيان أن “الشرطة فى طريقها لفك طلاسم البلاغ والقبض على المتهمين خلال ساعات علماً بان المواد التى تم ضبطها لاتعدو موادا شديدة الانفجار واتضح ذلك من خلال ماخلفته من اثار طفيفة فى مسرح الحادث والاصابة البسيطة التى لحقت بالمتهم” .
وكان شهود عيان قالوا لـ(سودان تربيون) إن الشرطة عثرت على متفجرات داخل احدى الشقق بالمبنى، وأن احداها انفجرت صباح الأحد، وأصابت أحد القاطنين حيث شوهدت آثار دماء في مكان الحادث.
وانزلت الشرطة عدد كبير من الاكياس الورقية الصفراء بها مقتنيات جمعت من الشقة.
وأفاد الشهود أنهم سمعوا اصوات رصاص في الثانية صباحا لتحضر بعدها عناصر الشرطة و الكلاب البوليسية وطوقوا المنطقة.
وأضافوا أن المبنى المكون من أربعة طوابق يضم عددا من الشقق السكنية يقطنها جنسيات عربية من مصر وسوريا.
في تطور مفاجئ على مسرح الأحداث وفي حادثة نادرة من نوعها وضعت السلطات الرسمية صبيحة يوم أمس الأحد يدها على جسم غريب (مواد محلية) تسبب إنفجارها في انكشاف أمر خلية يقف عليها أجنبي - وفقا لبيان الشرطة – كان يقوم بتصنيع متفجرات بدائية انفجرت أثناء عملية التصنيع بعد تعرضه لإصابات بالغة إثر انفجار وقع في شقة تقع في عمارة مكونة من 4 طوابق بمربع 48 جنوب مسجد عمر بن الخطاب على مقربة من لفة جوبا بشارع عبيد ختم بحي أركويت شرقي الخرطوم وأن شرطي كان يرتكز علي مقربة من موقع الحدث أبلغ شرطة النجدة والعمليات التي خفت للموقع – أن إنفجار وقع بإحدي البنايات فيما أشارت مصادر أخري أن مشتبهين أجانب حاولوا إسعاف أحد جرحى الانفجار لمستشفى قريب من سكنهم إلا أن إدارة المستشفى رفضت استقبال الحالة ومعالجة المصاب إلا بعد استخراج الاستمارة الجنائية (أورنيك 8) مما أدى لارتباك الأجانب وتزايد شكوك الشرطة التي أسرعت للتعرف على الموقع وضبط الأجانب بعد مداهمة الشقة واقتحامها لمعرفة أسباب الانفجار فيما ظهرت رواية أخرى تفيد أن الأهالي وبعد سماع دوي الانفجار في تمام الساعة الثالثة والنصف من فجر يوم أمس الأحد أبلغ مواطنون قوات الشرطة بحادثة الانفجار حيث هرعت قوات الشرطة لتطويق الموقع وتحريزه ومنع مرور السيارات والمواطنين من الاقتراب من البناية التي اتضح أن قاطنيها يمثلون تشكيلة من الأجانب وأن الشقة كانت بها أسطوانة غاز بحجم صغير وماكينة قاطعة للحديد بجانب أكياس ورقية وبلاستيكية جمعت من مسرح الحادثة فيما لوحظ الوجود الشرطي وفريق الأدلة الجنائية وتوزيع الكلاب البوليسبة بالموقع وقالت الشرطة في بيانها الصادر ليلة أمس الاحد أنها عثرت علي جوازاتسفر أجنبية بالشقة من محل الاتهام.
ملابسات الحادثة

فالشاهد أن حادثة متفجرات أركويت تعيد للأذهان حادثة أخرى مشابهة وقعت قبل 10 سنوات حيث تم القبض على خلية عسكرية قوامها 40 شاباً يتبعون للسلفية الجهادية استأجروا مبنى بضاحية السلمة جنوبي الخرطوم وشرعوا في الإعداد لمشروع إرهابي كبير بغرض تنفيذ سلسلة أعمال عنف تستهدف عدداً من مقار منظمات الإغاثة العالمية والقوات الأجنبية والوجود الأوربي بالخرطوم غير أن السلطات الحكومية استطاعت القبض على عناصر تفجيرات السلمة بعد انكشاف أمر الخلية بسسب انفجار إحدى أسطوانات الغاز واشتعال عبوتها المكونة من المواد الكيمائية شديدة الاشتعال بفعل أشعة الشمس وسوء التخزين فأبلغ الأهالي وسكان الحي قوات الشرطة بعد سماعهم دوي الانفجارالذي هز أرجاء المنطقة المكتظة بالسكان واستطاعت السلطات تفكيك الخلية في وقت وجيز وتوقيف أفرادها كافة وكان على رأس هؤلاء الدكتور (أسامة أحمد عبد السلام) الذي تخصص في مجال الكيمياء الحيوية والعضوية حيث نال درجة الدكتوراة في ذات العلم المتعلق بالتفجيرات والتركيبات ومع (أسامة عبد السلام) تم القبض على (عبد الباسط حاج الحسن) و(مهند عثمان يوسف) و(محمد مكاوي إبراهيم) الذين خرجوا من السجن بعد عملية إطلاق سراحهم وعادوا الكرة مرة أخرى وانخرطوا في تدبير خطة لاغتيال الدبلوماسي الأمريكي جون غرانفيل وسائقه السوداني عبد الرحمن عباس في العام 2008 وكان من ضمن أفراد الخلية صيدلي يدعى (أيمن زروق) ونجل الشيخ عبد الحي يوسف (عمر) حيث كشفت السلطات خلايا عسكرية وتشكيلات إرهابية كانت تنوي تنفيذ عدد من الأعمال الإرهابية.
برميل بارود
وتم التعرف على موقع هذه الخلايا وعناصرها حيث ضبطت هذه الخلية المتطرفة التي تنتمي للسلفية الجهادية وبحوزتها متفجرات ومفرقعات وعبوات ناسفة جاهزة للاستعمال وتركيبات كيمائية مكونة من مواد قابلة للاشتعال من بودرة (التي إن تي) ومادة (النتروجلسرين) المكون من مسحوق السكر وطحين الفحم بجانب تجهيز حوض خرصاني من مواد يتم تحضيرها لتكون متفجرات تستخدم لهذه العمليات العسكرية بجانب قنابل الملتوف وأسطوانات حديدية مستديرة محشوة بالبارود لتستخدم كدانات وأخرى بها متفجرات ومقذوفات وقنابل ملتوف وقرانيت وأكياس ذخيرة وأسطوانات تشبه أسطوانات غاز الثلاجات وماكينة لحام مع 30 عبوة جاهزة للتفجير ووجود ممرات خرسانية لتخزين وتعبئة المتفجرات لكن استطاعت الأجهزة الأمنية وضع يدها على كامل المخطط وإحباط العملية وتوقيف عناصرها قبل أن يبدأوا تنفيذ مشروعهم وأودعوا سجن كوبر في 2007 قبل أن يتم إخلاء سبيلهم بعد عام من الاعتقال.
تشابه بين الحادثتين

وبالنظر لحادثة أركويت التي تم الكشف عنها صبيحة أمس الأحد وتفجيرات السلمة التي مرت عليها 10 سنوات ظهرت العديد من أوجه الشبه بين الحادثتين فبين الأولى والثانية عقد كامل من الزمان فالأولى كانت في العام 2007 والأخيرة في العام 2017 أما وجه الشبه الثاني فيتمثل في أن انشكاف أمر المخبأ والوكر، ففي الحادثتين تم التوصل لموقع الحدث بعد انفجار العبوات الناسفة التي كانت قيد التخزين وأن الصدفة لعبت دورها في كشف العمليتين فتفجيرات السلمة تم الكشف عنها بعد انفجار أسطوانة كانت مليئة بالبارود مما أدى لانفجارها بينما متفجرات أركويت تم التعرف على عناصرها أيضا بعد انفجار الجسم الغريب المصنّع من المواد المحلية في الشقة المعدة لسكن الأجانب بجانب أن عناصر تلك الخلايا اختاروا مواقع سكنية بعيدة عن وسط الخرطوم في التخطيط وترتيب مراحل العمليات بالإضافة إلى أن الحادثتين ظهر فيهما جرحى جرّاء عملية الانفجار أما الأمر اللافت للأنظار فهو أن تفجيرات السلمة وانفجار أركويت تم إبطال مفعولهما قبل استخدامها إلا أن الشرطة أكدت أنها في طريقها لفك طلاسم الحدث والقبض علي المتهمين خلال الساعات القادمة.
أكمل القراءه

فستق العبيد

منذ فترة ليست بالقصيرة ، يتحدثون عن دفن النفايات في بلادنا ، وعلى الرغم من النفي المستمر من الجهات الرسمية الا ان الحيثيات تقول غير ذلك ، ومنذ السبعينات وحتى الآن تم دفن الكثير من النفايات الخطرة ، وآخر هذه الاخبار كان عن دفن النفايات الخطرة التي استجلبتها الصين ودفنتها تحت سد مروي التي كان نتيجتها انتشار الامرا ض السرطانية ، التي قضت على البلاد والعباد ، ونفق الكثير من الحيوانات. وليس امامنا الا ان نقول حسبي الله ونعم الوكيل.
ونتمنى ان تكون هذه مجرد تكهنات ، لأن وجود هذه الاشياء المميتة بلا شك سيكون مصيبة كبيرة ويمكن أن تؤثر على مستقبل الاجيال القادمة ، وستؤدي إلى انتشار العديد من الامراض والاوبئة ، بالاضافة إلى تأثيرها على الزراعة ومن الممكن أن تأتينا خضروات وفواكه ملوثة من الممكن أن تؤدي إلى كوارث ومصائب لايحمد عقباها.
ولم يتوقف استجلاب النفايات بل تعدي ذلك إلى فتح ابواب البلاد مشرعة لكل من هب ودب ، حيث دخل اللصوص والارهابيين وشذاذ الآفاق، وصارت بلادنا عبارة عن مزبلة تقبل كل شيء طالح وغير نافع ، حتى اصبحت مصيبة لايمكن علاجها او كارثة لايمكن التخلص منها.
حتى الذين يسيئون للسودان دخلوا البلاد بسبب ضعف السلطات التي في سبيل استمرارها في السلطة عملت كل شيء خطأ من اجل ارضاء الاوروبيين والامريكان الذين رمونا امس الاول بحجر ترمب الذي جعل الحكومة كما يقول الجمعة تكلم نفسها.
حتى جيرننا المصريين الذين يسيئون الينا دائما اصبحوا اسيادا في بلادنا ، ويطالبون بتملك الاراضي ، وموضوع سكر النيل الابيض ليس ببعيد ،عندما قاموا برهن الارض التي حصلوا عليها مجانا للبنوك ، وقاموا بتحويل الاموال بالعملة الصعبة وهربوا ، مما جعل حكومة النيل الابيض تشرب المقلب ولا تستطيع التصرف فيها بسبب مشكلة البنوك. وصاحب دريم الذي باع الارض التي منحت له مجانا في ولاية الجزيرة إلى القطريين.
وحتى الجماعة السوريين الذي وجدوا مالم يجدوه من الأسد ، جوازات واعمال وحرية تحرك ، واكثر مما يتوقعوا ، وبعد ذلك يسيئون إلينا ، ويقومون بأفعال وسلوكيات لم تعجبنا ، وعلى الرغم من ذلك هناك العديد من الاصوات تدافع عنهم . حتى لا نتهم بعدم الاحترام والبخل ، ولكن اخلاق الشعب السوداني لاتحتاج لتقييم أو نحتاج للتسويق لها. ومن لم يسمع عليه الاطلاع على تقرير الامم المتحدة الذي وضعنا في الدرجة الثانية بين شعوب العالم في الأمانة الشخصية والسلوك المحترم ، رغم لصوص الكيزان و على الرغم مما نتعرض له من قبل الجماعة الذين ذلونا وضيقوا علينا الدنيا الواسعة.
إنه الفول السوداني وليس فستق العبيد ، للذين يقيمون لدينا ويجدون كل ترحيب ، عليهم احترام المكان الذي وفر لهم مالم تستطع بلادهم توفيره لهم. وهذا ليس امتنانا ، وعلى الرغم من أن الدول الغربية وعدتنا بالكثير من الحوافز و التسهيلات ، يأتي ترامب ويلقمنا حجرا ، بسبب تساهلنا مع اللاجئين .
على حكومتنا أن تعرف أن العزلة مطلوبة في الكثير من الحالات ، الترابي رحل ، ذلك الشخص الذي كان له افكار نابليونية أضرت بنا كثيرا ، حيث كان يحلم بإقامة امبراطورية اسلامية من اندونيسيا حتى المغرب تجمع الدول الاسلامية وغير الاسلامية من العالم القديم في المرحلة الاولى قبل ان يقوم بالانقضاض على امريكا في عقر دارها.
من الافضل لنا ان نرعى بقيدنا كما يقول لنا الآباء عندما نغلط في الصغر ، لأن التهور في كل شيء خطير ، والمحافظة على ما تبقى من السودان واجب ، والعمل على ايقاف الحروب في دارفور والنيل الازرق وجبال النوبة ، وعلى الرغم من تصريحات حميدتي الا ان هذه الحروب مستمرة والامن غير مستتب.

أكمل القراءه

مصدر دبلوماسي الخرطوم جددت شكواها إلى مجلس الأمن بشأن مثلث حلايب المتنازع عليه مع مصر.

نقلت وكالة الأنباء السودانية الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني، عن مصدر دبلوماسي أن الخرطوم جددت شكواها إلى مجلس الأمن بشأن عائدية مثلث حلايب المتنازع عليه مع مصر. وذكرت الوكالة على لسان الدبلوماسي الذي لم يكشف عن اسمه "تمت مخاطبة بعثة السودان الدائمة بالأمم المتحدة في الخامس من الشهر الجاري بإبقاء شكوى السودان بمجلس الأمن الدولي قيد النظر"، مشيرا أن الخرطوم ظلت توجه هذا الطلب سنويا إلى مجلس الأمن الدولي في فترة زمنية، من بداية كل عام ميلادي وحتى نهاية شهر فبراير.
وكان السودان هدد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي باللجوء إلى التحكيم الدولي إذا فشلت عملية التفاوض مع الجانب المصري، فيما رفضت القاهرة في ابريل/نيسان الماضي طلبا سودانيا للتفاوض المباشر حول منطقة "حلايب وشلاتين" المتنازع عليها بين البلدين منذ عقود، أو اللجوء إلى التحكيم الدولي.
يذكر أن التحكيم الدولي يتطلب موافقة البلدين المتنازعين على إحالة القضيه إليه، وهو الأمر الذي ترفضه مصر بشأن حلايب وشلاتين، وعلى الرغم من أن تاريخ نزاع البلدين على المنطقة بدأ منذ استقلال السودان عام 1956، إلا أن هذه المنطقة كانت مفتوحة أمام حركة التجارة والأفراد من البلدين من دون قيود من أي طرف حتى عام 1995 حين دخلها الجيش المصري وأحكم سيطرته عليها.
ويقع مثلث حلايب في أقصى المنطقة الشمالية الشرقية للسودان، على ساحل البحر الأحمر، وتسكن فيه قبائل البجا السودانية المعروفة، ويضم 3 بلدات كبرى هي حلايب وأبو رماد وشلاتين، فيما تفرض السلطات المصرية قيودا على دخول مواطني السودان من غير سكان المنطقة إليها ، سواء من داخل مصر أو الحدود السودانية.
المصدر: وكالات
أكمل القراءه

*ﻗﻮﻯ ﻣﻌﺎﺭﺿﺔ ﻭﺣﺮﻛﺎﺕ ﻣﺴﻠﺤﺔ ﺗﺆﻳﺪ ﻭﺗﺪﻋﻢ ﻋﺼﻴﺎﻥ 19 ديسمبر*

ﺃﻋﻠﻨﺖ ﺃﺣﺰﺍﺏ ﻣﻌﺎﺭﺿﺔ ﻭﺣﺮﻛﺎﺕ ﻣﺴﻠﺤﺔ ﺗﺄﻳﻴﺪﻫﺎ ﻭﺩﻋﻬﻤﺎ ﻟﻠﺤﺮﺍﻙ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮﻱ ﻭﺍﻟﻌﺼﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﺍﻟﻤﻌﻠﻦ ﻓﻲ 19 ﺩﻳﺴﻤﺒﺮ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻷﺟﻞ ﺍﺳﻘﺎﻁ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ، ﺩﺍﻋﻴﺔ ﻛﺎﻓﺔ ﻋﻀﻮﻳﺘﻬﺎ ﻭﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﻴﻦ ﻟﻼﻧﺘﻈﺎﻡ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﺍﻟﻤﻨﺸﻮﺩ .

ﻭﻛﺎﻥ ﻧﺎﺷﻄﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺗﻮﺣﺪﻭﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ ﻟﻠﻌﺼﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻳﻮﻡ 19 ﺩﻳﺴﻤﺒﺮ ﺑﻌﺪ ﺗﺪﺍﻭﻝ ﺍﺳﺘﻤﺮ 5 ﺃﻳﺎﻡ ﺑﻴﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟـ “ ﻓﻴﺴﺒﻮﻙ ،” ﺗﺠﻨﺒﺎ ﻟﺘﻌﺪﺩ ﺍﻟﻤﻨﺎﺑﺮ ﺍﻟﺪﺍﻋﻴﺔ ﻟﻠﻌﺼﻴﺎﻥ ﻭﺗﻀﺎﺭﺏ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻴﺖ .
ﻭﺃﻛﺪﺕ ﺃﺣﺰﺍﺏ “ ﻧﺪﺍﺀ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ” ﺑﺎﻟﺪﺍﺧﻞ ﺍﻧﺤﻴﺎﺯﻫﺎ ﻟﺨﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ ، ﻣﻌﻠﻨﺔ ﺗﺄﻳﻴﺪﻫﺎ ﻭﺩﻋﻤﻬﺎ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﻟﻠﻌﺼﻴﺎﻥ ﻓﻲ 19 ﺩﻳﺴﻤﺒﺮ .
ﻭﺩﻋﺖ ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ ” ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ، ﻛﺎﻓﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻟﻼﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻠﺪﻋﻮﺓ ﻭﺗﻔﻌﻴﻞ ﺁﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﻌﺼﻴﺎﻥ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺒﺌﺔ ﻭﺍﻟﺤﻤﻼﺕ ﻭﺍﻟﻠﺠﺎﻥ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ “ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﻋﺼﻴﺎﻥ ﻧﺎﺟﺢ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺪﺧﻼ ﻟﺜﻮﺭﺓ ﺷﻌﺒﻴﺔ ﺗﺮﻏﻢ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ .”
ﻭﺃﺿﺎﻓﺖ ﺃﻧﻪ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻨﺠﺎﺡ ﺍﻟ
ﻜﺒﻴﺮ ﻟﻠﻤﻘﺎﻭﻣﺔ ﻣﺘﻤﺜﻠﺔ ﻓﻰ ﻋﺼﻴﺎﻥ 27 ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ ﻭﻣﺎ ﺗﻼﻩ ﻣﻦ ﺍﻧﺘﻈﺎﻡ ﻓﻲ ﺣﻤﻼﺕ ﺗﻌﺒﻮﻳﺔ ﻭﻛﻴﺎﻧﺎﺕ ﻓﻲ ﻋﻤﻞ ﺩﺅﻭﺏ ﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﻠﺠﺎﻥ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﻴﺎﻥ ، “ ﻧﺆﻛﺪ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﺑﺠﺎﻧﺐ ﺍﻟﻌﺼﻴﺎﻥ ﺍﻟﻘﺎﺩﻡ ﻭﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﻏﺎﻳﺎﺗﻪ .”
ﻭﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﻌﺎﺻﻤﺔ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ ﺍﻷﺣﺪ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﺟﺰﺋﻴﺔ ﻟﺤﻤﻠﺔ ﻋﺼﻴﺎﻥ ﻣﺪﻧﻲ ﺃﻃﻠﻘﻬﺎ ﻧﺎﺷﻄﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ .
ﻭﺃﻋﻠﻨﺖ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﺗﺄﻳﻴﺪﻫﺎ ﻟﻌﺼﻴﺎﻥ 19 ﺩﻳﺴﻤﺒﺮ ﺩﺍﻋﻴﺔ ﻛﻞ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﻴﻦ ﺑﻤﺨﺘﻠﻒ ﻓﺌﺎﺗﻬﻢ ﻟﻠﺘﺠﺎﻭﺍﺏ ﻭﺍﻟﺘﻔﺎﻋﻞ ﻣﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻌﺎﻟﻴﺔ ﻭﻧﺎﺷﺪﺕ ﺟﻤﺎﻫﻴﺮﻫﺎ ﻭﻛﻮﺍﺩﺭﻫﺎ ﺑﺄﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﻃﻠﻴﻌﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺮﺍﻙ ﺑﺈﻋﺘﺒﺎﺭﻩ “ ﺍﺣﺪﻯ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻜﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺛﻮﺭﺓ ﺍﻟﺮﻳﻒ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﺩﻫﺎ ﻃﻼﺋﻊ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ ﻷﺣﺪﺍﺙ ﺍﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﺸﺎﻣﻞ ﻭﺍﻟﺠﺬﺭﻱ .”
ﻭﻗﺎﻟﺖ “ ﻻ ﺣﻮﺍﺭ ﻭﻻ ﺗﻔﺎﻭﺽ ﺇﻻ ﻋﻠﻰ ﺗﻨﺤﻲ ﺍﻟﺒﺸﻴﺮ ﻭﺗﺴﻠﻴﻢ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻟﻠﺸﻌﺐ ، ﻭﻧﻌﻠﻦ ﺗﻀﺎﻣﻨﻨﺎ ﻣﻊ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﻌﺘﻘﻠﻴﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻴﻦ ﻭﻧﺪﻋﻮ ﺍﻟﻰ ﺍﻃﻼﻕ ﺳﺮﺍﺣﻬﻢ ﻓﻮﺭﺍً .”
ﻭﻃﺎﻟﺒﺖ ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ ” ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ، ﻛﻞ ﺃﻃﺮﺍﻑ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﻟﻼﺗﻔﺎﻕ ﺣﻮﻝ ﺭﺅﻳﺔ ﻣﻮﺣﺪﺓ ﻹﺳﻘﺎﻁ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﺒﺸﻴﺮ ﻭﺇﻗﺎﻣﺔ ﻧﻈﺎﻡ ﺩﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﻳﺤﺎﻓﻆ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﻦ ﻭﺳﻼﻣﺔ ﺍﻟﺒﻼﺩ ، ﻣﺸﻴﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﺍﺟﺮﺕ ﺍﺗﺼﺎﻻﺕ ﻣﻊ ﻗﻮﻯ ﻧﺪﺍﺀ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺩﺍﺧﻠﻴﺎ ﻭﺧﺎﺭﺟﻴﺎ ﻷﺟﻞ ﻋﻘﺪ ﺍﺟﺘﻤﺎﻉ ﻋﺎﺟﻞ .
ﻭﺃﻭﺿﺢ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺙ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺃﺳﺎﻣﺔ ﺳﻌﻴﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ ﺃﺟﺮﺕ ﺍﺗﺼﺎﻻﺕ ﻣﻊ ﺭﺋﻴﺲ ﺗﺤﺎﻟﻒ ﻗﻮﻯ ﺍﻻﺟﻤﺎﻉ ﻓﺎﺭﻭﻕ ﺍﺑﻮ ﻋﻴﺴﻰ ﻭﻗﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﺸﻴﻮﻋﻲ ﻭﻗﻴﺎﺩﺍﺕ ﻧﺎﻓﺬﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻟﻠﺘﻌﺠﻴﻞ ﺑﻘﻴﺎﻡ ﻣﺮﻛﺰ ﻗﻴﺎﺩﻱ ﻣﺸﺘﺮﻙ ﻟﻘﻮﻯ 27 ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ ، ﻣﺸﻴﺪﺍ ﺑﺎﻟﺪﻭﺭ ﺍﻟﻬﺎﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻠﻌﺒﻪ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﻭﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻭﺍﻟﻄﻼﺏ ﻋﺒﺮ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ .
ﻭﺻﺪﺭ ﺑﻴﺎﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ ﺍﻟﺮﺋﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺤﺰﺏ ﺍﻻﺗﺤﺎﺩﻱ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﺍﻷﺻﻞ ﻣﻮﻗﻊ ﺑﺄﺳﻢ “ ﻋﻠﻲ ﻣﺤﻤﻮﺩ ﺣﺴﻨﻴﻦ ، ﺣﺴﻦ ﺍﺑﻮ ﺳﺒﻴﺐ ، ﺗﺎﺝ ﺍﻟﺴﺮ ﺍﻟﻤﻴﺮﻏﻨﻰ ” ﺗﻠﻘﺘﻪ “ ﺳﻮﺩﺍﻥ ﺗﺮﺑﻴﻮﻥ ،” ﺩﻋﺖ ﻓﻴﻪ ﻛﻞ ﺍﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﻓﻰ ﻛﻞ ﻭﻻﻳﺎﺕ ﻭﻣﺪﻥ ﻭﻗﺮﻯ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﺔ ﻓﻰ ﺍﻟﻌﺼﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ .
ﻭﻗﺎﻟﺖ ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ “ ﺗﻄﻬﻴﺮﺍ ﻟﻠﻮﻃﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻭ ﺍﻟﻤﻔﺴﺪﻳﻦ ﻭﺣﻔﻈﺎ ﻟﺪﻣﺎﺋﻨﺎ ﻭﺍﻋﺮﺍﺿﻨﺎ ﻭ ﺍﻟﺘﺰﺍﻣﺎ ﺑﺨﻂ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻭ ﺍﻟﻨﻀﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﺮﺩﺍﺩ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ، ﻓﻘﺪ ﻗﺮﺭ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻻﺗﺤﺎﺩﻱ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﺍﻻَﺻﻞ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﺗﺄﻳﻴﺪﺍ ﻭ ﻣﺸﺎﺭﻛﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﺍﻟﻤﺤﺪﺩ ﻳﻮﻡ 19 ﺩﻳﺴﻤﺒﺮ .
ﻭﻃﺎﻟﺒﺖ ﻛﻞ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﺤﺰﺏ ﻣﻦ “ ﺍﻟﻄﻼﺏ ، ﺍﻻﺳﺎﺗﺬﺓ ، ﺍﻟﻤﻬﻨﻴﻴﻦ ، ﺍﻟﻌﻤﺎﻝ ، ﺍﻟﻤﺰﺭﺍﻋﻴﻦ ، ﻭﺍﻟﻤﻮﻇﻔﻴﻦ ” ﺑﺎﻻﻧﻀﻤﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﻟﺠﺎﻥ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ ﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻌﺼﻴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻣﻊ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻷﺧﺮﻯ
أكمل القراءه

الحاصل شنو؟

عابر سبيل - من ذوي الخيال الواسع - صادف صيوان عزاء، فحدثته نفسه بآداء الواجب.. وبعد الفاتحة، عرًفوه بابن المرحوم، فسأله بحزن : ( دا حال الدنيا يا ولدي، أبوك مات كيف؟ والله ما سمعنا بمرضو)، فأجاب الإبن دامعاً : ( لا ما مرض، بس كان ماشي يجيب العيش و ضربتو عربية في الظلط)، فسأله متأثراً : ( لاحول ولا قوة إلا بالله، كان ماشي يجيب عيش بي كم؟)..!!
:: وهكذا يكاد أن يصبح حال الناس من كثرة أخبار ضبط المخدرات بميناء بورتسودان.. ويوم أمس، كان الخبر المزعج بصحيفة (المجهر السياسي)، حيث تم ضبط مخدرات - قادمة من دولة عربية - بميناء بورتسودان..وكالعادة ، إعتباراً من اليوم، سوف تصدر الصحف بأخبار - موصوفة بالجديدة - ذات صلة بهذه القضية..ولكن لن يتجاوز ما يقرأه القارئ حجم المخدرات وقيمتها وإسم المخلص الجمركي..( 150 كرتونة، قيمتها كذا مليار)، هكذا سيكون الخبر يومياً.. ولن يعرف الجناة ..!!
:: وقبل عام، بعد ضبط خمس حاويات مخدرات قيمتها (120 مليار جنيه)، اقتادوا المتهمين إلى المحكمة، فحكمت لهم بالبراءة، ثم قالت في حيثيات الحكم : (أن الحاويات موضوع البلاغ تم تشكيل لجنة لكشفها بواسطة الشرطة قبل وصولها لمرحلة الكشف بواسطة الجمارك، الأمر الذي لم يحقق الحيازة الفعلية، بجانب أن الاتهام لم يقدم شهود يؤكدون علم المتهمين بوجود مخدرات في شحنة الذرة الشامية)، هكذا كانت أسباب البراءة .. ثغرات في التحري و الضبط..!!
:: ومع كراتين الأمس، ما يجعل أمر البحث عن ملاكها ونشرها ومحاكمتها ضروريا هو الجرأة المستخدمة لحد إحضار الحاويات بالقنوات الرسمية وبأوراق الشحن وبأحد أهم منافذ البلد المحروسة بكل الأجهزة الأمنية والشرطية..هل يُمكن أن يتجرأ تاجر مخدرات و يجلب كل هذه مخدرات إلى الميناء الرئيسي للبلد ما لم يكن مطمئناً على سلامة العبور أو ثغرات التحري ؟.. (الحاصل شنو)، أي من أين تستلهم الشركات الموردة كل هذه الثقة والطمأنينة؟..بالتجريب أم بإكتشاف الثغور؟..وما جدوى ضبط المخدرات إن كانت العدالة عاجزة عن محاكمة صاحبها، كما حدث في (شحنات سابقة)..؟؟
:: تلك الأسئلة مهمة للغاية، وهي المدخل للسؤال المشروع : ( كم حاوية أو كرتونة عبرت؟)..نعم، تؤكد الشرطة أن نسبة المخدرات التى تتم مكافحتها هي الكبرى مقارنة مع النسبة التي تتسرب إلى المجتمع عبر الموانئ والمطارات والحدود ( السايبة)..وبما أنها شحنة مخدرات أخرى، وإنها مستوردة بواسطة شركة آخرى، عبر ذات الميناء الشرقي، فمن الخزي والعار أن يفلت أصحابها من العقاب كل مرة، أي كما فعلوا في (الشحنة السابقة)..!!
:: وإن كانت أخطاء التحري وإجراء الرصد - عند رصد الشحنة - تبريرا قانونيا في القضية السابقة، فاليوم لن تجد الشرطة ما تُبرر بها عدم سد ثغرات التحري وإجراءات الرصد..ضبط الحاويات والكراتين وحده لا يكفي، ولا ترديد حجم المخدرات وقيمتها.. طمئنوا المجتمع بحقائق تفصح عن المدان والعقاب..وأُسطوانة أن السودان دولة عبور لهذه المخدرات - وليست دولة إستخدام - صارت أسطوانة مشروخة، ولم تعد تقنع الرأي العام..فالحاويات لا يتم ضبطها عبر الصادر الى الخارج، بل عبر الوارد الى السودان..!!
أكمل القراءه

نحن الذين عشنا عصر " المؤتمر السوداني "

اذا كان اهلونا ، ورفاقنا وزملائنا ، يبزوننا بانهم حضروا ليلة "المتاريس" في اكتوبر ، وجابهوا نميري في عنف باديته وردته، وغبروا ارجلهم وهم في مارس، وتساقطت دموع فرحتهم في ابريل ، فاننا لدينا ما نقوله لابنائنا ، انا شهدنا بزوغ فجر حزب "المؤتمر السوداني" وسرنا معه كتفا بكتف في مقارعة دكتاتور عصرنا البشير، وسياتي يوم " نتبر" فيه مثل "حجوات" الدكتور عبدالله علي ابراهيم الان .
كان اول يوم تطرق فيه اذني عبارة "الطلاب ألمستقلين" عندما كنت اعمل ساعي -مراسلة- في جامعة امدرمان الاسلامية في الفتيحاب خلال العطلة الصيفية اثناء المرحلة الثانوية ، وكان الاسلاميين في كامل صلفهم وسلطتهم بواكير التسعينات ، كان للمؤتمر متحدث اسمه " الصادق" اعجبني فيه لغته القوية وهندامه الانيق ، ومضيت بعد ان حفر في ذاكرتي اسم هذا التنظيم الجديد ، وكانت الدنيا امة واتحادي وشيوعيين .وكيزان مكروهين .
مضت الايام واخترت طريقي ، لكنني وجدته كبر وشب عن الطوق في سنوات قلائل ولم يعد "مؤتمرا طلابيا " فحسب ، عند تكوين " جبهة القوى الديمقراطية - جاد" في مكتب استاذنا مولانا غازي سليمان -طيب الله ثراه - ويومها كان غازي ملء السمع والبصر ، وصاحب نضالات ، وكعادته في ابتداع طرق المقاومة ، عند عودتي من بورسودان حيث كنت اعمل ، وجدته تجاوز تحالف المحامين لاسترداد الديمقراطية ، وهو يحدثني بتحالفه ( جاد ) الجديد ، وكيف انه تركيبة تجمع بين حزب سانو بقيادة توبي مادوت ، ومجموعات القوميين الجنوبيين ناس بيتر عبدالرحمن سولي ، وحزب المؤتمر السوداني ممثلا ب عبد القيوم عوض السيد ، و ابراهيم الشيخ ، والديمقراطيين ، ويومها كانت سكرتارية التجمع الوطني تغطي بأجنحتها الافاق ، لكني اعجبت كثيرا بهذا التحالف وبادلته المودة " فوق التربيزة وتحت التربيزة " لانه كان يجمع بين نضالات ابناء السودان في شكله القديم (شمالا وجنوبا بكل وضوح تفاصيل خطاب ابنائه من قوميين و وحدويين دون تأفف او استعلاء او استنكار للخطاب الجنوبي ، وصار مركز عبد المجيد امام في "الشعبية" محجة للعمل السياسي والندوات ، ومركزا للمصادمات ، وتوج هذا العمل المشترك الذي كان المؤتمر السوداني في قلبه ، بعقد اول مؤتمر صحفي عبر الهاتف للمتحدث باسم الحركة الشعبية والجيش الشعبي ياسر عرمان ، في مكتب غازي سليمان بشارع الجمهورية ، الذي كان يعج بالجنوبيين بقاماتهم الابنوسية و احلامهم المشروعة في سودان جديد ، وانقض الامن على الحضور ضربا ثم اعتقالا ، في صفوف تحالف "جبهة القوى الديمقراطية -جاد" ومناصريه ومواليه ومحابيه .
ان سعة افق قادة حزب المؤتمر السوداني كانت واضحة جدا خلال هذه الفترة ، وانه حزب صاحب رؤية مستقبلية في ادارة تحالفاته السياسية ، وكشفت الى اي مدى هذا الحزب جرئ ويمضي في منازعة النظام غير هياب من وصمات تلك الفترة " طابور خامس " وغيرها ، رغم انه كان ك" حزب" حديث النشأة نسبيا ، ولكن كرؤية سياسية فهو ضارب جذوره ، في عمق الافكار السودانية ، و اذا كان حزب الامة ينازع ويجادل الاخرين بانه من تراب الفكر السوداني ، فان حزب المؤتمر السوداني من صميم الرؤى السودانية ، ويبز الاخرين بتفرع وتفرهد كوادره يعيدا عن شمس اي طائفة .
صار الحزب بحرفة النمل وبصبر وجلد على مكاره الجبهة الاسلامية ، و اجهزتها القمعية ، يمضي غير هياب او وجل ، ينمي كادره ويغرس بأرجله اكثر و اكثر ويقدم الشهداء من حاضنته " مؤتمر الطلاب المستقلين" مرغني النعمان" ، الذي اغتالته يد النظام في سنار ، التي كان من المفترض ان يعقد فيها مولانا غازي سليمان ندوة سياسية ضمن اطار عمل تحالف (جاد) والمؤتمر السوداني في حرم جامعتها ، وتضاربت الانباء بعد ان لعلع الرصاص ، وانشغل البال على الاصدقاء في التحالف و المحامين في مكتب مولانا ، وفي اليوم الثاني علمنا ما جرى ، وتم تشيع مرغني النعمان في كامل مهابة التشييع.
ولم تهن ل"المؤتمر السوداني" قناة ، ولم يستكين لسيف القهر والقتل ، ومع هذا ظل يضرب الامثال في انتظام تغير قيادته السياسية ، امعانا في ترسيخ قيم الديمقراطية ، ثم جاءت فترة تنفيذ اتفاقية السلام الشامل ، وكنت عدت للخرطوم ، وامتهنت الصحافة وللمفارقة كان لكادر هذا الحزب " المحامي محمد عربي" دور الى جانب (ملاذي) الاول و الاخير المحامي محمد الزين الماحي، وصديقنا المحامي عزالدين عثمان الذين رافقناهم خلال ما سبق من تجاريب ، في ان ادلف لهذه المهنة برفق ، و كانت الدنيا "نيفاشا " و "قاهرة " و "تجمع" و"برلمان" لكن " المؤتمرجية" عفت نفسهم ، و مضوا الى شعبهم ياكلون معه من خشاش الارض ، وعندما نادى المنادي لمؤتمر " جوبا" لوحدة المعارضة نفروا خفافا غير متثاقلين ، وولدت "قوى الاجماع الوطني" و "المؤتمر السوداني " في قلبها ، يسعى للوحدة ايمانا وعملا ، ويهش على الانقاذيين والانفصاليين بعصاه .
ثم تابعنا خلال عملنا الصحفي ، عندما تدافعت مناكب الاحزاب ، حتى عبدالله على ابراهيم نحو المفوضية طلبا ل "الرئاسة" ، مضى الحزب الذي يعي جيدا حرفة النمل وعدم حرق المراحل ، وقدم رئيس حزبه ابراهيم الشيخ لانتخابات برلمانية جغرافية ، في مدينة النهود ، مقدما تجربته ومنازعة حزبه للتزوير ، وكم كتبنا عن ضيق سلطة الجبهة زرعا بمنازلتهم للأمن في واحدة من ارياف السودان المنسية ، التي بادلت هذا الحزب وفاء بوفاء ، وكانت قاب قوسين او ادنى من ايصاله الى البرلمان ، ثم انسحب مرشحوا الرئاسة ابطالا للتزوير و اكساب النظام شرعية زائفة ، كانوا عند الميعاد حافظين للإجماع الوطني وحدته وما كان لهم ان يشذوا وان اختلفت التقديرات من خطوة الجميع هذه ، وسياتي يوم ونقيم كل هذه "الاسنحابات".
وفاز البشير ، وكانت جنوب كردفان وانتخاباتها ، وكان المؤتمر السوداني عند الوعد يجول ويصول قادته مع رفاقهم في قوى الاجماع الوطني ، مؤازرين معاضدين المرشح عن الحركة الاستاذ عبد العزيز الحلو ، وانطلقت النيران ! معلنة الحرب الثانية في السودان ، وكانها قامت لتجمر " المؤتمر السوداني" الذي توهج وكالعادة و "المحريه فيه" اختط لنفسه مسار وخطاب سياسي ، يطلب ايقاف الحرب ، ويسعى للسلام بغير مداهنة ايمانا واقتناعا ، واقتدارا على الخطاب .
وبنفس الجراءة السياسية المعهودة فيه مضى الى توقيع " الفجر الجديد" بانيا مع الاخرين تحالف اكبر ، ومحتفظا لنفسه بشخصيته السياسية ، ودفع الثمن اعتقالا وتنكيلا ، وعندما تلجلج البعض ، استقام على العهد و اوفى بالمواثيق ، وما افة السودان الا " التمادي في نقض العهود والمواثيق ".
ظل هذا الحزب الذي استطال بنضالات ابنائه وبناته ، رقما لا يستهان به ، مؤمنا بوحدة قوى المعارضة كخط سياسي ومبتغى سامي ، رغم العصى التي كانت توضع في دولابه ، التي ظل يتجاهل صغائرها ويمضي غير هياب ، نحو باريس وميثاقها وفتحها الابرز ، وفي اديس ابابا التي هبطت ارضها قادما من لندن في نوفمبر 2014 ، التقيت كادرها تعلوهم غبرة المخاطبات السياسية مع الجماهير حيث كانت واقامت ، بعد ان اختطوا لنفسهم نهج جديد بالدفع بكادرهم حاثا السودانيين ، ليخرجوا على الطاغية ، ومبصرا لهم بحقوقهم وتقصير السلطة في حقهم ، في "السلمة ؛ والدروشاب ، والعزوزاب ؛ وامبدة ، ومايو والكلاكلات " وفي نيالا و"كلمة وعطاش وسريف عمره " صدحوا بعالي الاصوات حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب " .
اتوا اديس ابابا وهم مثقلين بالاعتقالات ، وب " سبتمبر" التي كانوا في قلبها ، وغصة في حلوقهم على شهدائها في شمبات و بري و في امبدة والثورات ، مذهولين من جراءة الطاغية في قتل شعبه ، مؤمنين ان الثأر لن يتأتى الا بوحدة مكتملة الاركان والدسم في جسم المعارضة ، وكان الميلاد" نداء السودان" الذي شهدت بأعيني كيف سعى له هذا الحزب موطئا اكنافه ، للوصل الى هذه الغاية النبيلة ، و سيأتي يوم ايضا لنكتب بالتفصيل عن هذا الدور.
والعام الماضي عندما اقام هذا الحزب مؤتمره ، وضرب للناس مثلا ، في تداول السلطة داخله ، و دافعا بشبابه الفوار الى مقدمته ، علمت واستيقنت وكتبت ان هذا "المؤتمر السوداني " حزب قادم من المستقبل ، ويجب ان ترفع لعضويته القبعات ، لكنهم ما بطروا ومضوا الى الطرقات من جديد ، مواصلين فعلهم السياسي ، وغيرتهم على وطنهم ، غير متكاكين او مولولين من الاعتقالات التي استهدفتهم بها السلطة الغاشمة ، حتى صار تغيير "البروفايلات" شبه محتكر لهم ، وفي " الجامعة " الخرطوم ، كانوا عند الوعد ، وكان سجين الظلم " عاصم " وكانت "وفاق قرشي " ، مع الصبايا العيونهم برقهم لماح وسؤالهم رد خفاف ولطاف و وثابين اوان الجد، من بنات و ابناء شعبنا .
عند معركة الزيادات الاخيرة ، وهي معركة مستمرة ونتمناها الاخيرة ، قبل ان يعود الطاغية الى مضجعه بعد ان رفع الدعم عن اخر خطوط الدفاع عن البقاء في الحياة لشعبنا ممثلة في الدواء ، ووضع حمل تمويل مليشياته ، وجيش وزرائه وسفه قادته ، على ظهر شعبنا المغلوب على امره والغالب بإذن الله ، شفنا (حبيب بنريدو اتجلى) " خالد سلك" نائب رئيس الحزب و دهبه المجمر بالنضالات ، في صبيحة اليوم التالي يرفع رايات العصيان ، ويقرع الطبول حتى لا ينيخ الطاغية بكلاكله على ظهر الشعب السوداني ، لتعيده اجهزة الامن الى معتقلاته التي اعتاد عليها ، ويتبعه قادة الحزب السابقون واللاحقون ، ابراهيم الشيخ وعمر الدقير و طبعا عبدالقيوم .
ان هذا الغضب العظيم الذي يتخلق ، وان بذرة الوعي التي اطلت براسها في " العصيان المدني" لحزب المؤتمر فيها سهمين وقيراطين زرعهم بنضالاته وثقة القدرة على الفعل التي ظل يبثها بين الناس ، ان قدر الله ثم الشعب اسقاط البشير في الاشهر القادمة ، سيكون محتوما ان هذا الحزب سيكون له شأو كبير ، في اي عملية ديمقراطية قادمة منفردا او من خلال تحالفاته " الاستراتيجية " التي اوفى وصبر عليها ، وان تأخرت لحظة التغير الحتمية ، سيخرج قادة المؤتمر السوداني مرفوعي الرؤوس ، مجللين بالتقدير ، وسيعود خالد سلك ورفاقه الاماجد " يملأون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء."

أكمل القراءه

السودان: الحكومة والمعارضة على مشارف السلام



قطع السودانيون مسافة معتبرة من الجسر المؤدي للسلام والاستقرار، عندما وقعت 4 قوى رئيسية من المعارضة المسلحة والمدنية على «خريطة الطريق»، التي صادقت الحكومة السودانية عليها في مارس/آذار الماضي، بعد أن قدمها الوسيط الإفريقي رئيس جنوب إفريقيا السابق، تابو امبيكي، ولكن قوى المعارضة رفضتها وطالبت بوضع تحفظها على بعض بنودها في ملحق للخارطة، ثم عادت ووقعت بعد تعهدات من الوسيط، وسط حضور غربي وإفريقي وسوداني ضاقت به ردهات فندق «راديسون بلو» في العاصمة أديس أبابا.
لتنطلق بعدها مفاوضات لوقف العدائيات في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق مع الحركة الشعبية - قطاع الشمال، وفي مسار آخر مع الحركات المسلحة في دارفور، في وقت ينتظر الجميع أن يدعو الوسيط الإفريقي للقاء تحضيري يجمع قوى المعارضة والحكومة الشهر المقبل، وهو اللقاء الذي ألقى بظلاله على جميع تحركات المعارضة وتحفظات الحكومة السودانية، بينما كانت مفاوضات وقف العدائيات مع الحركة الشعبية رهينة بالموقف من إيصال المساعدات الإنسانية إلى إقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وشكل «الترتيبات الأمنية» مع المدة المقترحة لوقف إطلاق النار المسار الثاني الخاص بوقف العدائيات، بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في دارفور، شهد عراقيل في البدء لكن جرى افتتاح أعماله بعد مرور 48 ساعة، وتهيمن عليه تخوفات حركات دارفور من أن تكون خاتمة المطاف هي عودتهم إلى اتفاقية «الدوحة» التي يرفضونها وتريد الحكومة جرهم إليها وتحديد مواقع ميليشيات حركات دارفور.
ظل مسار وقف العدائيات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية المتعلق بإقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق، على حافة الانهيار طوال أيام المفاوضات، ولكن، أول أمس السبت، حدث اختراق وقدمت الحركة الشعبية تصوراً للشكل النهائي للترتيبات الأمنية عبر ورقة قدمتها للوساطة، واطلعت عليها «الخليج»، طالبت فيها بأن يتم دمج قواتها في جيش سوداني واحد بعد إعادة بنائه، وأيضاً في قوات الأمن الأخرى مع حظر كل الميليشيات بما فيها قوات «الدعم السريع» على أن يتم ذلك بعد الترتيبات السياسية في المنطقتين، وأن تشمل عملية نزع السلاح قوات من الطرفين.
في وقت تحفظت الحكومة على هذه المقترحات باعتبار أن القوات التي تطالب الحركة بتسريحها ليست ميليشيات، ولكنها قوات نظامية، واتهمت الحركة الشعبية بأنها تريد أن تقفز على المراحل بطرح الشكل الأخير للترتيبات الأمنية، وموقع جيشها منها، قبل التوصل لاتفاق حول وقف العدائيات، وقال السفير حسن حامد، المتحدث باسم وفد الحكومة إنهم كان بإمكانهم الوصول لاتفاق يوم السبت الماضي لولا تعنت وفد الحركة.

المحادثات رهينة المسارات الإنسانية

لكن تظل القضية المحورية التي تسيطر على هذا المسار، هي إيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين من الصراع في جنوب كردفان والنيل الأزرق، ووقف الأعمال العدائية المفضي لوقف إطلاق نار دائم، حيث في هذا الصدد توجد رؤيتان تصطرعان، الحكومة السودانية ترى أن اتفاق وقف العدائيات، يجب أن يكون لشهرين فقط، وأن يتم تجميد قوات جيش الحركة الشعبية في المناطق التي فيها، وأن تكون هناك حرية لقوات الحكومة بالانتشار وإعادة الانتشار، بدعوى ممارسة سيادة الدولة على أراضيها.
وفي الشق الإنساني يقول مساعد الرئيس السوداني، إبراهيم محمود ل«الخليج»، إنهم يطالبون بتنفيذ الاتفاق الثلاثي مع (الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية) الخاص بإيصال المساعدات الإنسانية، وتشترط الحكومة في ذلك أن تأتي من داخل السودان فقط.
من ناحية أخرى، يقول كبير مفاوضي الحركة الشعبية، ياسر عرمان ل«الخليج» إنهم مستعدون لوقف عدائيات لمدة عام واحد، ويرفضون تجميد قواتهم لوحدها، وإعطاء حق الانتشار، وإعادة الانتشار للجيش الحكومي، وفي الشق الإنساني قال عرمان ل«الخليج» إنهم قدموا تنازلاً بأن تأتي 80% من المساعدات والإغاثات من داخل السودان و20% من الخارج عبر إثيوبيا وجنوب السودان، واعتبر الاتفاق الثلاثي غير صالح من جانبهم.
وقال المتحدث باسم وفد الحكومة المفاوض السفير حسن حامد «نحن مع إيصال الإغاثة ولكن ليس عبر الحدود، وأية دولة ذات سيادة لا يمكن أن تقبل بذلك، ونحن دولة مكتملة المؤسسات والأكثر حرصاً على إيصال المساعدات للمواطنين المتضررين». وأضاف أن إجمالي عدد النازحين 289 ألف نازح، منهم 184 ألف نزحوا إلى مناطق الحكومة و105 آلاف نزحوا إلى دولة جنوب السودان من جملة 493 ألف مواطن في ثلاثة محليات بجنوب كردفان، تتواجد فيها الحركة الشعبية، وهي محليات هيبان 222 ألفاً، وأم دورين 115 ألفاً، وبرام 156 ألفاً.
نلحظ أن استراتيجية التفاوض للحكومة السودانية في هذا الشق تقوم على ضرورة الوصول لوقف العدائيات بأسرع ما يمكن، وأن يكون محدداً بزمن قصير ومحدود، على أن تستفيد من إعلان وقف العدائيات في الحصول على تصريح رسمي من إدارة الرئيس أوباما، برفع اسم السودان من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب قبل انتهاء فترته، وكان مدير مكتب المبعوث الأمريكي للسودان قال ل«الخليج» إن حال حدوث لوقف العدائيات فإن الإدارة الأمريكية ستوصي برفع السودان من قائمة الإرهاب.
بينما تقوم استراتيجية الحركة الشعبية في هذا الخصوص على الوصول إلى وقف عدائيات بمدة طويلة (سنة واحدة) وأن يكون مراقباً دولياً، وأن تكسب دخول المساعدات الإنسانية من خارج السودان، حتى لا تضع رقبتها تحت سيف الحكومة، متى ما قررت الخرطوم العودة إلى الحرب، أو السيطرة على مسارات الإغاثة، لكن الحكومة السودانية ترى أن دخول المساعدات من الخارج سيمثل مصدر إمداد لجيش المتمردين، وسيساعدهم على تقوية أنفسهم وتعتبرهم غير جادين، وأنهم يعدون لحرب ثانية أشمل.

مقترحات قيد التداول

لكن في هذا الصدد يلعب المجتمع الدولي والأمم المتحدة الدور الأكبر، وفي حديث خاص لصحيفة «الخليج» قال أحد المسؤولين الغربيين، إن الأمم المتحدة تسعى للحصول على موافقة الطرفين بتفويضها في هذا الجانب، لتقوم بدراسة جدوى للمفاضلة بين دخول المساعدات من الداخل والخارج من حيث اللوجستيات والتكلفة والجدوى، وأن تقرر هي الطريق الأمثل، باعتبارها الجهة التي ستوصل المساعدات وتتكفل بها مادياً.
كما يرى المسؤول الغربي الرفيع في حديثه ل«الخليج» أن هناك فكرة أخرى تتخمر ويسعى الجميع لطرحها على الطرفين، وهي أن يقتصر دخول المساعدات الإنسانية إلى جنوب كردفان من داخل السودان فقط، وأن تدخل المساعدات إلى النيل الأزرق من دولة إثيوبيا كحل توفيقي بين الطرفين.


اللقاء السياسي

ظلت قضية الحوار السياسي بين الحكومة والمعارضة بشقيها المسلح والأحزاب السلمية، هو القضية المركزية في المفاوضات التي تُجرى في إثيوبيا، وكان المبعوث الأمريكي للسودان دونالد بوث، الذي يرعى المفاوضات كشف ل«الخليج» في تصريح خاص، أن الوسيط الإفريقي تابو امبيكي سيدعو إلى لقاء سياسي في أديس أبابا الشهر المقبل، وأن يضم لجنة (7+7) التي تمثل الأحزاب التي شاركت في الحوار السياسي الذي أجرته الحكومة في الخرطوم، وانتهت أعماله الشهر الماضي لحل القضية السياسية، وأزمة الحكم في السودان، والأطراف الأربعة الذين وقعوا على خريطة الطريق لحل الأزمة قبل أيام في أديس أبابا.
في السابق كانت الحكومة السودانية ترفض حضور هذا اللقاء، بينما تطالب المعارضة بضرورة وجود الحكومة كطرف حتى تلتزم بمخرجات اللقاء السياسي المرتقب في إثيوبيا، الذي تسميه مؤتمراً تحضيرياً للحوار الشامل، لكن مساعد الرئيس السوداني إبراهيم محمود، كشف في تصريح ل«الخليج» أن الحكومة ستحضر اللقاء المرتقب من ضمن وفد لجنة (7+7) ممثلة في شخصه، ومعلوم أن الرجل هو من يقود وفد الحكومة في أي تفاوض مع المعارضة.
لكن هذا اللقاء يواجه صعوبة مركزية أخرى، حيث ترى المعارضة ممثلة في (تحالف نداء السودان)، أنها يجب أن تدخل هذا اللقاء مجتمعة، وألّا يقتصر على الموقعين الأربعة على خريطة الطريق (حزب الأمة القومي، الحركة الشعبية، حركة العدل والمساواة السودانية، وحركة تحرير السودان) والأخيرتين هما حركات سياسية مسلحة تمثل دارفور، ويقول في هذا الخصوص كبير مفاوضي الحركة الشعبية ل«الخليج»: إنهم سيدخلون اللقاء الذي سيدعو له امبيكي في وفد موحد يمثل تحالف «نداء السودان»، ولن يقتصر على الموقعين على خريطة الطريق فقط، ولفت إلى أن الحوار الذي أجرته الحكومة مع الأحزاب في الخرطوم يمكن أن يعتبر خطوة أولى، ويتم البناء عليه عبر المؤتمر الذي سيعقد في أديس أبابا، ويضم «نداء السودان ولجنة 7+7 والحكومة السودانية».
بينما تتمسك الحكومة السودانية ببنود خريطة الطريق التي تقول إن هذا اللقاء الذي تسميه «تشاوري» السياسي، يجب أن يقتصر على الأطراف الأربعة الموقعة فقط، ويقول مساعد الرئيس إبراهيم محمود، إن القوى الأخرى من المعارضة الموجودة داخل السودان، يمكن أن يلتقيها الوسيط تابو امبيكي في الخرطوم، ويتباحث معها في كيفية دخولها في الحوار الوطني في المرحلة الحالية أو اللاحقة.
نجد أن تحالف المعارضة (نداء السودان) يعتبر هذه القضية بالنسبة له مسألة حياة أو موت للتحالف، وأنهم لم يوافقوا إلّا بعد تعهد الوسيط الإفريقي بإعلان قبوله تحفظات المعارضة في هذه النقطة في الجلسة الافتتاحية، وكانت دول الترويكا «الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج» الذين مارسوا ضغوطاً رهيبة على المعارضة لحملهم على قبول الخارطة أصدروا بياناً اطلعت عليه «الخليج» عبروا فيه عن تفهمهم لتحفظات المعارضة التي تعتمد ذلك، بجانب تعهد الوسيط تابو امبيكي، في دعم موقفهم في حضور اللقاء مجتمعين.

الأمني أولاً أم السياسي؟

الضلع الثالث من عملية السلام التي انطلق هو وقف العدائيات بين الحكومة والحركات المسلحة المنطلقة من دارفور (حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان)، حيث يقول جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة، إن نقاط الاختلاف بينهم والحكومة تمثلت في عدم قبولهم بتحديد مواقعهم، باعتبار أن وقف العدائيات لا يتطلب ذلك.
وقال إن الحكومة تريد معرفة مواقعهم بالإحداثيات و«هذا لم يأت موعده بعد». إضافة إلى عقبة ملف الأسرى الذي ترفض الحكومة التعاطي معه. إلى جانب رفض الحكومة لتشكيل لجنة مشتركة لتقديم المساعدات الإنسانية للنازحين بدارفور. وقال إنهم في الحركات لا يطمئنون للمؤسسات الحكومية التي تقوم بتوصيل الإغاثة.
الهاجس الوحيد الذي يظلل محادثات هذا المسار، هو تخوف حركات دارفور من أن يقود اتفاقهم إلى وقف العدائيات وإطلاق النار، إلى أن تتم إعادتهم إلى «وثيقة الدوحة» للسلام، التي رفضوها من قبل، ويعتبرونها غير صالحة للحل النهائي لقضية دارفور، وكان مسؤول ملف دارفور في الحكومة السودانية، أمين حسن عمر، قال ل«الخليج»، «إن المفاوضات المرتقبة مع حركات دارفور في أديس أبابا، ستقتصر على وقف العدائيات على أن تنتقل بعد ذلك، إلى العاصمة القطرية الدوحة لبحث القضايا السياسية الأخرى، وفي إطار اتفاق الدوحة، ومن بعد ذلك الحضور للسودان والمشاركة في الحوار الوطني الذي تنظمه الحكومة».
وفي هذا المسار نجد أن استراتيجية قادة حركات دارفور المعارضة، لا تريد الخوض في تفاصيل وقف العدائيات، التي تطلب أن تحدد مواقع تواجد قواتها وعددها، وتريد أيضاً معرفة ما ستحصل عليه في الجانب السياسي المتعلق بشكل الحكم في إقليم دارفور، ومشاركتها في السلطة المركزية والإقليمية.
بينما تقوم استراتيجية الحكومة على الضغط باتجاه وقف العدائيات، وتحديد مواقع مقاتلي الحركتين في دارفور، بغية إحراجهما مع المجتمع الدولي، حيث ظلت الحكومة تتهم هذين الفصيلين، بأن قواتهما ليست موجودة داخل السودان، وإنما تقاتل في جنوب السودان وليبيا، وهي الاتهامات التي ظلت الحركتان المسلحتان ترفضانها على الدوام.

تحركات دولية وإقليمية

بعد مشاورات طويلة استمرت طوال يوم امس بين الحكومة والحركة الشعبية كل على حدة ، وبمشاركة أطراف من الحكومة الإثيوبية والوساطة ، عاد الطرفان للجلوس معا في حضور الرئيس تابو امبيكي و ممثل الحكومة الإثيوبية السفير برهاني والسفير لسان يوهانس والسفير محمود خان ،وذلك لبحث المقترح «التوفيقي» الذي تقدمت به الوساطة لحسم النقاط الخلافية في ملف مسارات الاغاثة ووقف العدائيات ، وسط توقعات بحدوث اختراق يفضي الى اتفاق نهائي.
بينما كشف مسؤول غربي لـ«الخليج» أن الوسيط القطري والوسيط الإفريقي سيجتمعان في إديس أبابا، ويدرسان إمكانية توحيد جهودهما ومواقفهما، إمّا بإعادة مسار مفاوضات دارفور إلى مدينة الدوحة، أو الإبقاء عليها في أديس أبابا، مع دمج فريق الوساطة الإفريقية مع الوساطة القطرية.
أكمل القراءه

جبريل إبراهيم : الشيخ حسن دخل الحوار بضمانات لا نعلمها.. ولا يوجد نظام إسلامي متكامل وهذا هو الفرق بيننا وبين الغرب

الإسلاميون الآن في حالة مراجعات
نريد التزامات قاطعة من الحكومة بإجراء تغيير جذري في الحكم

لم نشعر في جلساتنا مع الحكومة بالحدة في خطابها معنا
قدمنا الكثير من التنازلات وهذا وحده يؤكد أننا جادون

نحن على قدر كامل من المرونة ومستعدون للنظر في مواقع الخلاف
الشيخ حسن دخل الحوار بضمانات لا نعلمها..

نستمع إلى قوى المستقبل للتغيير ونتشاور معهم في قضايا السلام
التجربة الإسلامية في السودان انحرفت تماماً عن مسارها

لن نتخذ من غير الإسلام بديلاً.. وهو يصلح لكل زمان
عبد الواحد محمد نور يعتقد أن الحوار مع النظام ضياع للوقت

كنت في بريطانيا لاجئاً سياسياً وهذه هي أسباب خروجي من تشاد
لا يوجد نظام إسلامي متكامل وهذا هو الفرق بيننا وبين الغرب

البنوك الإسلامية في العالم الإسلامي تحتاج للكثير من التأصيل

في اليوم الأخير من رحلتنا لتغطية التوقيع على خريطة الطريق من قبل نداء السودان في فندق (ريدسون) الشهير بأديس أبابا جلسنا إلى قيادات في حركة نداء السودان، وخلال ثلاث ساعات، ونحن نسابق الزمن، أجرينا حوارات مع جبريل إبراهيم ومني أركوي مناوي والإمام الصادق المهدي، اليوم نستعرض هذا الحوار مع رئيس حركة العدل والمساواة، لم نشأ أن يكون الحوار تقليدياً أو منصباً في اتجاه واحد، فالرجل استلم قيادة الحركة بعد وفاة أخيه الدكتور خليل إبراهيم ، عائداً من بريطانيا، التقيناه في أحد أركان الفندق، حاورناه في كل شيء تقريباً في الموقف السياسي الراهن، وفي الاقتصاد، ووفاة الشيخ حسن، ورأيه في دخول الشعبي الحوار.. تحدثنا إليه عن خارطة الطريق وعن خلافه مع عقار، طفنا معه حول الاقتصاد – لديه دكتوراه في الاقتصاد – وذهبنا به إلى شواطئ حياته الخاصة ماذا يقرأ ولمن يكتب وما يطربه من فننا السوداني.. وكيف دخل إلى الحركة الإسلامية.. محطات في حياته سردناها سوياً، دارفور وتشاد ودبي واليابان وبريطانيا، حدثنا عن أسرته الصغيرة وعلاقته بأبنائه.. في هذا الحوار لم نترك شاردة ولا واردة إلا وتحدثنا بها، وهدفنا كان أن نعرف حقيقة من هو جبريل وكيف يفكر وماذا يريد..

ندعكم القراء الكرام مع د. جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة.

*إلى أي مدى تتوقعون أن تنجح مساعيكم ومساعي الحكومة في السلام؟
– الحمد لله رب العالمين، نحن متفائلون جداً، لأن من طبيعة المؤمن التفاؤل، لذلك أقول إنه إذا توفرت الإرادة السياسية للطرفين فسوف يحدث السلام، أنا أؤكد لكم أن الإرادة لتحقيق هذا الهدف لدينا متوفرة، يمكن الوصول إلى تفاهم لوقف العدائيات، وتوصيل الإغاثة إلى المتضررين، في هذه الجولة بإذن الله، هذا أملنا وهذا ما نسعى إليه، ما لم يرفض الطرف الآخر، من جانبنا نحن مستعدون.

*هل تعتقد أن الطرف الآخر(متململ)؟
– الحقيقة لا أدري..

*من جلساتكم السابقة؟
– حتى هذه اللحظة لم نشعر بذلك، رغم أن اللغة ليست حادة كما كانت في السابق، إلا أننا لم نشعر بأي شكل من أشكال التنازلات أو الاستعداد للتنازلات، لكنني أقول إن الوقت مبكر، لنقول إن الإخوان موقفهم كذا أو كذا، بدأنا المفاوضات قبل أيام وسنكمل بقية هذه الأيام وربما الصورة ستتضح بصورة أكبر.

*أنت تطلب من الحكومة تقديم التنازلات، ما هي التنازلات التي قدمتموها أنتم؟
– نحن قدمنا تنازلات كثيرة جداً، ابتداء من وقف العدائيات وذلك قبل أن نأتي إلى أديس أبابا، قدمناها بصورة منفردة، وجددنا وقف العدائيات مرة أخرى ولفترة طويلة، وهذا دليل رغبة كاملة واستعداد تام لعملية وقف العدائيات بصورة مراقبة، نحن أوقفنا اطلاق النار، وبالتالي هذا أكبر تنازل يمكن أن نقدمه للناس رغم المواقف التي لا توحي أن النظام على استعداد للتفاوض في القضايا الرئيسية التي أدت إلى الحرب، ولكننا قبلنا أن نجلس إلى النظام ونتفاكر في وقف الحرب وننطلق نحو التفاوض في القضايا الأساسية بصورة جادة، أخي الفاضل نحن قدمنا تنازلات وما زلنا على استعداد أن ننظر في القضايا العالقة بيننا وبينهم، أنا لا أستطيع أن أفصل لك في هذا أو ذلك، لكن، نحن على قدر عالٍ من المرونة في نقاط الخلاف وسنرى، إن كان هناك تقدم أم لا.

*ما الذي يخشاه الدكتور جبريل حقيقة؟
– أنا لا أخشى شيئاً، لكنني أخشى فقط أن يستمر الوضع الحالي، من غير وصول الناس إلى السلام، ومن غير الوصول إلى السلام أخشى أن يتفتت السودان، وأن تسوء أوضاع المواطن، وأن تستمر معاناة المواطنين والنازحين وأن يستمر الوضع في عدم استقراره، ربما تسوء الحال في المستقبل، صحيح في فصل الخريف يعيش الناس فترة الهدوء، ولكن في فصل الجفاف، الأمور تتبدل ولكن من الأفضل أن نصل إلى شكل من أشكال الاتفاق يجعل الهدوء مستمرًا بنهاية شهر الخريف.

*خرجتم يا دكتور من رحم الإسلاميين، هل أستطيع القول إن جبريل إبراهيم ما زال متمسكاً بخطه الإسلامي؟
الإسلاميون جميعاً الآن في حالة مراجعات لمواقفهم، ونحن إيماننا بالإسلام لن يتغير ولن نتخذ من غيره بديلاً، نحن مسلمون، نؤمن تماماً ونعتقد اعتقاداً كاملاً أن الإسلام يصلح لكل زمان، ليس لدينا شك في ذلك البتة، ويصلح للحكم أيضاً، ولكن، الناس يحتاجون في حقيقة الأمر لمراجعة كيف يريدون حكم الإسلام، هل التجربة التي عشناها في السودان هي تجربة إسلامية، هذا سؤال كبير يحتاج إلى إجابة.

*ما هو رأيك أنت.. هل التجربة إسلامية؟
– أنا أعتقد ان التجربة انحرفت تماماً عن مسارها الذي خطط لها وبالتالي، من الصعب جداً أن تنسب ما يجري الآن في السودان إلى الإسلام، لا علاقة له بتعاليم الإسلام ولا بأصول الإسلام الحقيقة التي أنزلها الله من فوق سبع سموات.

*الشيخ حسن الترابي توفي فجأة، عندما وصلكم الخبر ما هو شعوركم حينها؟
– الشيخ حسن تجاوز عمر النبوة بعقدين من الزمان، ومن الطبيعي أن تضعف قلوب الناس في هذه الأعمار، كان الأمر متوقعاً لأن الشيخ رحمة الله عليه عندما ذهب إلى إجراء فحوصات في قطر كان من المعلوم لدينا أن الفحوصات كانت غير مبشرة ونبه إلى ذلك، أن قلبه ضعيف ويحتاج أن يخفض من ساعات العمل والمجهود الذي يبذله.

*دخول الشيخ حسن الترابي في الحوار الذي يجري في قاعة الصداقة ألم يطمئنكم شيئاً ما خاصة وأنه كان معارضاً شرساً؟
– لقد شعرنا أن الشيخ حسن دخل في مغامرة، من غير أي شكل من أشكال الضمانات، ربما رأى الشيخ شيئاً لم نره نحن، ربما وجد ضمانات لم نعلم بها ولا يعلم بها أحد، لكن بالنسبة لنا الدخول في حوار من غير ضمانات ومن غير ترتيب واضح في أن هذا الحوار سيوصل إلى نتائج، وإلى تغيير حقيقي.

*ما هي الضمانات التي تريدونها؟
– لا أستطيع أن أفصل في الضمانات الآن، ولكن ليس هناك ما يضمن عندما تجلس مع النظام أن النظام سيتغير وإنما ستلحق مجرد إلحاق بهذا النظام، نحن نريد التزامات قاطعة بأن النظام على استعداد لإجراء تغيير بنيوي جذري في طريقة حكم البلاد.

*ماذا تقصد بالتغيير البنيوي والجذري؟
– الطريقة هي إعادة هيكلة الدولة، وترتيب القوات النظامية والخدمة المدنية، وإعادة الديمقراطية

*هل لديكم برنامج متكامل في العدل والمساواة لمثل هذه الأشياء؟
– طبعاً.. منذ العام 2001 ، لدينا رؤية، ودستور ومنفستو، أدبيات الحركة موجودة لم يرغب في الاطلاع عليها، ولكننا نعتقد أنه ما لم تتوفر حريات حقيقية وما لم يحدث تحول ديمقراطي حقيقي وما لم يعَد ترتيب البلاد بشكل يشعر فيه المواطن بأنه متساوٍ مع المواطن الآخر وأنه ينتمي إلى هذه البلاد بنفس المستوى ولديه مسؤوليات على عاتقه بنفس المستوى فإن الأمر لا يستوي، ونحن لم نصل إلى الآن إلى النظر بجدية في القضية القادمة، مجرد محاولة لمحاصصات واستيعاب آخرين للنظام القائم، لأن النظام القائم لا يصلح حتى أن يُستوعب فيه الآخرون.

*إلى أي مدى تتواصلون مع المعارضة الموجودة في السودان كقوى المستقبل مثلاً؟
– نحن على اتصال بكل القوى السياسية السودانية، بما في ذلك قوى المستقبل للتغيير بقيادة دكتور غازي صلاح الدين، نحن نستمع إليهم ويستمعون إلينا ونتبادل الآراء ونتواصل مع كل القوى السياسية الأخرى بنفس القدر.

*يقال إن الخلاف بينكم ومالك عقار في الجبهة الثورية أساسه أن الحركة الشعبية لا تريد رجلاً ذا توجه إسلامي على رأس الجبهة بمعنى أن الخلاف آيدلوجي وليس تنظيمياً.. هل هذا القول صحيح؟

– أعتقد أن هذا (تلبيس للحقيقة) لأمر آخر، لقد قبل مالك عقار بهذا الذي يحسبونه إسلامياً أن يكون ضمن طاقم الجبهة الثورية السودانية وفي قياداتها لأكثر من أربع سنوات واشتركنا معهم في تنظيم القوات والقتال وفي كل شيء، فما الذي حدث فجأة عندما جاء دور هذا الإسلامي في أن يكون رئيساً للجبهة ، هل صار إسلامياً بعد أن انقضت الأربع سنوات، أم كان إسلامياً قبل أن يكون طرفاً في الجبهة الثورية السودانية، أعتقد أنه تلبيس وتدليس وستر لموقف حقيقي يتمثل في رغبة الطرف الآخر في الاحتفاظ بهذا الموقع لمشاريع في أذهانهم ولن تتحقق.

* لماذا رفض عبد الواحد في رأيك التوقيع على خارطة الطريق؟
– عبد الواحد اعتقد أن التفاوض مع النظام ضياع للوقت، وهو يظن أن النظام لن يغير مواقفه، وعبد الواحد في حقيقة الأمر مرّ بتجربة أبوجا وعندما جاء إليها بحماس كبير، وبتواصل كبير مع النظام وجاء للاتفاق ولكنه لم يتم، شعر أن الجدية غائبة تماماً عند النظام وبالتالي لا يعتقد أن الحوار سيفضي إلى حوار حقيقي يفضي إلى تغيير حقيقي.

*ألم تحاولوا إقناعه بأن ينضم إليكم ويوقع؟
– إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، نحن لا نستطيع إجبار أحد، تحدثنا إلى عبد الواحد في حقيقة الأمر، وقلنا له إن الخيارات كلها أمامه، يجب أن نجبره أن يكون معنا .

*في مقال طويل لك قرأناه قبل فترة ، قلت (أهلنا اليابانيين) وعلمنا أنك درست هناك، اشرح لنا الأمر؟
– حضرت دراسات عليا.. ذهبت إلى اليابان في نهاية 15/10/1979 وبقيت فيها إلى العام 1987 وفي هذه الفترة تعلمت اللغة اليابانية، حضرت الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد، كنت أستاذاً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لمدة 5 سنوات ثم عدت إلى السودان وعملت مديراً تجارياً لشركة تسمى (جانديل) لفترة قصيرة في نهاية مارس لأنني وصلت السودان يوم 25/12/1992 وفي 18 مارس 1993 صدر قرار بتعييني مديراً لشركة غير موجودة اسمها شركة (عزة للنقل الجوي).

*أين سكنت في الخرطوم؟
– سكنت في العمارات لفترة محدودة ثم انتقلت بعد ذلك الى منزل بالإيجار في الرياض مربع 9، وبعد أن خرجت من السودان انتقلت أسرتي إلى منزل في عد حسين.

*ما زالت لديك أسرة هناك خاصة بعد وفاة دكتور خليل حيث أقيم صيوان العزاء في عد حسين؟
– أبداً، لا يوجد هناك حتى وفاة الدكتور خليل كانت زوجتي وأطفالي في السودان وحدث ما حدث ثم انتقلوا.

*أين كنت عندما توفي الدكتور خليل وكلنا نعلم بأنه لم تكن لديك علاقة بالسياسة حينها؟
– كنت في بريطانيا

*هل كنت تعمل هناك؟
– أساساً كنت أعمل بدبي، أنا خرجت من السودان العام 2000 وذهبت إلى تشاد وعملت بشركة للطيران وشركة للنقل البري، التشاديون تضايقوا من وجودي بعد خروج الدكتورخليل من السودان حيث ذهب إلى باريس وذهبت أنا إلى دبي، وأسست مع صديق شركة للنقل الجوي وبقيت فيها إلى العام 2005 ثم أبعدت من الإمارات بطلب من الحكومة السودانية، ذهبت إلى بريطانيا وبقيت فيها إلى أن توفي دكتور خليل وعدت بعدها إلى الميدان.

*بصفتكم تدرسون الاقتصاد، كيف تنظرون إلى تطبيق الاقتصاد الإسلامي مقارنة بالعلوم الأخرى كالاقتصاد لدى ماركس مثلاً أو انجلز؟
– نحن نطلق أسماء لأشياء ليست هي حقائق، نحن لدينا قيم إسلامية متكاملة مرتبطة بالسلوك الاقتصادي للإنسان، أما نظام اقتصادي متكامل في تقديري أننا لم نجد الفرصة لخوض هذه التجربة من أولها إلى آخرها.

*أنا لا أتحدث عن السودان فقط ولكن في بقية دول العالم؟
– حتى في العالم أجمع ليست هناك أي تجربة لاقتصاد إسلامي حقيقي، صحيح هنالك تجارب في الصيرفة الإسلامية، هناك محاولات لتطبيق الزكاة هناك ثغرات في التأمين الإسلامي ولكن ليس الاقتصاد الاسلامي مجرد صيرفة وقضية ربا ولكن مثلاً التكافل الاقتصادي غير موجود، أنت تجد تجربة التكافل في العالم الغربي أكثر مما تجدها في العالم الإسلامي.

*كيف تفسر توجه أوربا نحو الصيرفة الإسلامية؟
– هذا أمر طبيعي لأن تجربة الربا نفسها عادت بخيبات كبيرة للاقتصاد العالمي وخاصة الاقتصاد الغربي ولذلك عندما يكون الحديث عن الربا تجد الفرصة أن تناقش ولكن هذا محدود، الربا محرم حتى في اليهودية، تحريم الربا هو ليس أمرًا جديداً في الإسلام ، المولى عز وجل حرم الربا في كل الأديان، ولكن الناس أخي الكريم خرجوا على شرع الله واتبعوا المراباة واكتشفوا أن المراباة تخلق مشاكل حقيقية ، في معظم بنوك العالم تناقصت عملية التعامل بالربا في اليابان وأمريكا وعندما وجدوا إمكانية العمل على الصيرفة من غير ربا وجدوا أن المشاركة فكرة جميلة، أنا لا أرى كثير مرابحة في التجربة الغربية ولكن المشاركات صارت من التجارب التي يحبذونها ولذلك أنا أعتقد أن هناك ميزات في الصيرفة الإسلامية بلا شك، ولكن نحن لسوء الحظ في العالم الإسلامي ليس لدينا قيادات تدربت بحق في الصيرفة الإسلامية ككل، ومعظم الذين جاءوا إلى البنوك الإسلامية جاءوا من البنوك التقليدية، ولذلك حاولوا تلبيس التجربة الإسلامية بشيء من الرتوش الإسلامية وهذا لا يستقيم، الأمر يحتاج إلى مزيد من التأصيل ككل.

* في الجزء الثاني من الحوار:

لا أستمع إلى الفن كثيراً.. ولكن يطربني هؤلاء
هذا رأيي في تجربة راشد الغنوشي بتونس

هؤلاء أبنائي .. وهذه هي الطريقة التي تزوجت بها
تابعوا .. الكثير المثير في حياة جبريل إبراهيم

حاوره بأديس أبابا: عطاف عبد الوهاب
صحيفة الصيحة
أكمل القراءه

أطفال السودان الضائعون يرسون اخيراً علي شواطئ الحلم الأميركي.



علي وقع الحرب الأهلية الطاحنة التي تعصف بالبلاد؛ أطفال السودان الضائعون يرسون اخيراً علي شواطئ الحلم الأميركي.
لم يكن الطريق امام Gai Nyok الفتي الأبنوسي ذي 29 ربيعا ممهدا ليدخل باب الديبلوماسية الأميركية سفيرا للولايات المتحدة. لقد نجا الرجل من الموت بأعجوبة خلال رحلة الهروب من جنوب السودان الي مخيمات اللجوء في كينيا واثيوبيا إبان الحرب الأهلية الثانية في السودان(1983-2005).
لقد أجبرت الحرب الطفل نيوك وأسرته علي الفرار من قرية ابانغ في اقليم الاستوائية الي معسكرات اللجوء في اثيوبيا وهو ما يزال في سن الخامسة. في العام 2001 منح نيوك اللجوء السياسي وتبنته أسرة اميريكية ليكمل المرحلة الثانوية ثم يلتحق بجامعة Virginia Commonwealth University لينال درجة البكالريوس ثم يلتحق بزمالة Thomas R. Pickering Fellow. وهو برنامج حكومي مخصص لتأهيل الشباب الذين يرغبون في العمل في وزارة الخارجية الأميريكية. في نوفمبر من العام 2015 تم تعيين نيوك رسميا كديبلوماسي في وزارة الخارجية وسافر الي فنزويلا في اول مهمة رسمية له.



غاي نيوك هو واحد من نحو عشرين الف طفل، معظمهم من الأيتام، تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعاشرة، فروا من الحرب الأهلية الثانية التي اندلعت في العام 83 وانتهت بتوقيع اتفاق السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية، بقيادة زعيمها الراحل جون غرنق في العام 2005. اكثر من عشرين الف طفل، عرفوا لاحقا بأطفال السودان الضائعين، فروا الي معسكرات اللجوء في كينيا وإثيوبيا سيرًا علي الأقدام يكابدون الجوع وقسوة الطبيعة والحيوانات المفترسة فوصل بعضهم ومات أكثرهم.

مابين الأعوام 1991-1996 تمكنت منظمة اليونيسيف من اعادة لم شمل اكثر من 1200 طفل ضايع بأسرهم. وفي العام 2001 اعادت الولايات المتحدة توطين نحو 4000 منهم في 38 مدينة في أميركا علي رأسها مدينة اوماها في ولاية نبراسكا التي يسكنها اكثر من 7000 لاجئ سوداني.

ماجور جواك Majur Juac بطل الشطرنج المعروف في الولايات المتحدة الأميريكية هو ايضا طفل ضائع علم نفسه بنفسه أصول لعبة الشطرنج. عندما جاء الي الولايات المتحدة في العام 2005 كلاجئ من معسكرات كينيا كان يعمل حارس أمن في احدي المدارس بضواحي العاصمة واشنطن قبل ان يجد طريقه الي عالم الشهرة بالصدفة في نيويورك ويصبح بعدها مدرسا للعبة. يقول ماجور انه كان يستعين علي الجوع والفراغ في المعسكر بلعب الشطرنج وهو ما ساعده علي إتقان اللعبة.

العديد من الكتب والافلام سلطت الضوء علي ماساة أطفال السودان الضائعين الذين وجدوا تعاطفا دوليا واسعا في خضم الحرب الأهلية التي أسفرت عن مقتل نحو مليوني ونصف مدني. من بين تلك الكتب "الهروب من اجل حياتي" لكتابه لوبيز لومونغ Lopez Lomong، الطفل الضايع والعداء الاميركي الشهير الذي وصل الي الولايات المتحدة في عمر السادسة عشرة وصار مواطنا في العام 2007 ومثل الولايات المتحدة في عدة مناسبات رياضية كبري.

فيلم The Good Lie هي اخر الاعمال الفنية التي أنتجت عن أطفال السودان الضائعين. الفيلم الذي تم إنتاجه في العام 2014 من اخراج فيليب فلاردوا، صورت مشاهده في جنوب افريقيا ومدينة أتلانتا في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأميريكية. الفيلم من ابطاله الفنان العالمي إيمانويل جال. خدم جال في طفولته كجند في صفوف الحركة الشعبية قبل ان تتبناه عاملة الاغاثة البريطانية الراحلة ايما ماكون، زوجة ريك مشار نائب الرئيس الحالي في جنوب السودان. ليصبح لاحقا فنانا عالميا مشهورا وداعية للسلام وسفيرا للأمم المتحدة. من ضمن ابطال الفيلم ايضا النجم قير دواني Ger Duany وهو ايضا طفل ضائع وجد حلمه في صناعة السينما ليصبح نجما عالميا مشهورا.

كثيرون من أبناء السودان الضائعين يمتعون جمهور كرة السلة الان في الولايات المتحدة بمهاراتهم وإبداعاتهم فالجمهور الاميركي يعرف جيدا أتير ماجوك، وكيوث دواني، ودينق قاي، وبنين قابرييل، ولوال دينق، واجو دينق، واديل دينق، وغيرهم.

ولكن برغم كل هذه الإشراقات الا ان الطريق الي الشهرة وعالم المال لم يكن سالكا بالنسبة للكثيرين من أبناء السودان الضائعين والذين ظلوا ضائعين حتي بعد مجيئهم الي الولايات المتحدة الأميريكية. فقد أظهرت دراسة في العام 2005 ان 20% من 300 من هؤلاء يعانون من ما يعرف اختصارا ب PTSD وهو عرض يلازم أولئك الذين تعرضوا لمواقف مؤلمة بسبب الحروب اما اخرون فوقعوا ضحايا للمخدرات فيما يعمل بعضهم في المهن الهامشية وباجور زهيدة.

اخيراً وعندما ننظر للمكانة المرموقة التي يتبوأها هؤلاء الأشخاص ونقارن ذلك بالحال الذي تمر به جنوب السودان نجد ان الفرق شاسع جدا. فبلاد تملك هذه النجوم وهذه القوة البشرية الهائلة كان يفترض ان يكون مكانها الطبيعي بين النجوم وليس ما نراه من احتراب ودمار وجوع قاتل. أسر لي بعضهم بان الساسة في جنوب السودان الذين يمسكون بزمام الأمور في البلاد لا يتيحون الفرصة لهذه النماذج المشرقة بالعودة والمساهمة في إنقاذ البلد من براثن الحرب اللعينة.
نتمني ان يكون لابناء السودان الضائعين والذين وجدوا أنفسهم بعد مشقة ولأي دور اكبر في إنقاذ السودان الضائع.
أكمل القراءه

إرتفاع تعريفة المواصلات تُسمع أذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي

المواصلات وسيلة حياة يومية تُساعد المواطن غير المُستطيع من إمتلاك سيارة للتنقل بها من مكانٍ لأخر لقضاء حاجاته اليومية عمل ، مدارس..الخ. ولكن هذه الأيام صارت تعريفة المواصلات هماً للجميع والشغل الشاغل. لأن عدم مراقبة الجهات المختصة لتعريفة المواصلات جعلت أصحاب المركِبات يستغلون حوجة المواطنين في أوقات الزروه بزيادة التعريفة المعروفه سلفاً. من المسؤل عن وضع تعريفة المواصلات؟ ومن المسؤل عن رقابة التعريفة؟ ولماذا هذ الغياب عن الرقابة؟ لقد تفنن أصحاب
 المركبات في الحِيل والدهاء
وصاروا يتلاعبون على المواطن بتقسيم خط سير العربة الى جزئين، حتي يستطيعوا الشحن مرة اُخرى وبسعرٍ جديد بدلاً من أن يكون خط السير مباشرةً لأخر محطة ، ولقد شاهدت بِاٌم عيني وسمعت باذنى التعريفة من السوق العربي الى محطة الشهداء أمدرمان بمبلغ عشرة جنيهات. هل يعقل أن تضاعف التذكرة أربعة اضعاف ؟
لذلك عليك أخي المواطن التحوط بمبلغٍ كبير إن كان لك مشوار تنوي القيام به فربما تستطيع الذهاب الى مشوارك، ولكن طريق العودة محفوفٌ بزيادة التعريفة الغير مبرر بلا حسيبٍ ولا رقيبٍ ولا جهاتٍ مسؤلة ولا يحزنون. صارت زيارة الأسعار الغير مبرره هذه الأيام موضه للجميع اللحوم و الخضار المواصلات وعند السؤال ياتيك الرد الشافي والكافي "كل شي زايد والدولار زايد ونحن بنشتري بالغالي" كلام مقنع في الحقيقة والسؤال الذي يتبادر الى الذهن أين الحكومة من كل هذا؟ لماذا لم توجد الحكومة الحلول لزيادة الأسعار الغير مبرره ؟ هنا تايى الإجابة من الخبراء الإقتصادين إن إرتفاع سعر الدولار سببه عدم وجود صادرات تغطي حوجة الدولة من النقد الاجنبي (الدولار) وهنا مربط الفرس. تعلم الدولة علم اليقين بان الإنتاج هو الوسيلة الوحيدة لتوفر العملة الصعبة ولكن أين الإنتاج من البترول والزراعة ... الخ؟ لماذ وصل بنا الحال الى هذا المنعطف الخطير بلدٌ كامل يعتبر سلة غذاء العالم بلا صادرات! دولة غير قادرة على التحكم بسعر صرف الدولار! البلاد يضرِبُها غلاءٌ فاحش يقضي على كل أحلام المواطن البسيطة من غذاءٍ ودواء وحتى المواصلات.

في نهاية المقال لدي طلب وأحد لكل الورزاء والمعتمدين والمسؤلين في الدولة بلا إستثناء وحتي الرئيس أنزلوا من الفارهات وتنكروا وأنزلوا الشارع حتي تشاهدوا بِاعيُنِكُم وتسمعوا بِأذانكم مايعانية المواطن من شظف العيش والغلاء الطاحن الذي أصابه. اتركوا التقارير الغير واقعية وأنزلوا بِانفسكم الى أرض الواقع لتحكُموا على الحالة التي وصلت اليها البلاد والمواطن من تدني في الخدمات الأساسية وماذا أنتم فاعلون؟ وتسمع أذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي. والله من وراء القصد

أكمل القراءه

حتى يخرس أصحاب اللفظ العاجز !!


• ليس هناك شيئاً لم يُقال في جَلد هذا الأخرق الذي أراد أن يُخرس لسان المُعارضة، فقال بأن الشعب - قبل الإنقاذ - كان من بؤسه يقتسم الصابونة، بيد أن هناك جانب لم يُطرق في الرد على هذا اللفظ العاجز (سبقه عليه بحديث من جنسه الحاج أبوساطور ومصطفى إسماعيل) وهو أنه لا يجوز - من الأساس - عقد مقارنة بين نظامي حكم تفرق بينهما (27) سنة، ففي أقل من هذه االمدة من بداية حكم الإستعمار البريطاني (1899 – 1956)، أحدث الإنجليز في السودان التغيير المعروف والذي لا تنتطح حوله عنزان، فقد جاء الإنجليز بعد حكم الخليفة عبدالله التعايشي (1885 - 1899) ووجدوا رأس الدولة وكبار المسئولين بدولة المهدية يستخدمون الحصين
والبغال في تنقلاتهم الرسمية، وكان أجعص عقار بالسودان في ذلك الوقت مبني من الطين الجالوص (بيت الخليفة أمدرمان)، وحتى نهاية نظام المهدية لم تكن هناك مدارس ولا مستشفيات، وكان علاج الأمراض يتم بلبخة من صفق الشجر توضع على الجرح أو بالحِجامة والفِصاد أو بشربة مِحَاية بوصفة من المشايخ، فجاء الإنجليز وأنشأوا خطوط السكك الحديد والنقل النهري والخطوط الجوية وخزان سنار ومشروع الجزيرة ومشروع الزاندي وأنشأوا المدارس والمستشفيات وكلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم) والمباني الحديثة التي تراها اليوم على شارع النيل كما أقاموا نظام الدولة الحديثة ببناء الجيش (قوة دفاع السودان) ونظام القضاء الحديث والخدمة المدنية ..الخ، ومع ذلك رفض الشعب وجود المستعمر وسعت كل القوة الوطنية لإخراجه من البلاد.

• فتقييم الأنظمة الحاكمة وقبولها لا يُقاس بما تقوم به من أعمال مادية مهما بلغت درجتها بمعزل عن عناصر أخرى تؤخذ في الإعتبار حتى يمِن علينا متاعيس النظام بما يوفرونه من خردوات ومواد البقالة أو بمقدرة الشعب على شراء السراويل والقمصان، ثم أن التغيير والتطور الذي يطرأ على حياة الشعوب، كالتوسّع في التعليم وتعبيد الطرق ودخول نُظم الإتصالات الحديثة وتطوّر المباني، يحدث في كل أركان المعمورة تلقائياً بمرور السنوات ضمن التطور الطبيعي للحياة البشرية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة سهولة إنتقال المعرفة فيما بين الشعوب والحكومات، بما أتاح اليوم لأي مواطن صومالي أن يحمل في يده هاتف جوال دون أن تكون لديه حكومة من الأساس، وفي مصر تصل بين كل قرية وأخرى أكثر من ثلاثة طرق مزدوجة منذ عقود طويلة دون أن يتوقّف ذهن المواطن عند الذي شيّدها إن كان هو الملك فاروق أو جمال عبدالناصر، فهذه مقارنة بائسة وتعيسة، فيها تغابي وسوء قصد وتهدف إلى التضليل وصرف النظر عن المَواطن التي تستحق أن تُجرى بشأنها المقارنة السليمة.

• مثل هذا الحديث الهُزؤ في نبش ما كان عليه حياة الناس قبل الإنقاذ، يصلح في حق أهل النظام لا شعب السودان، فقد طالعت صورة فوتوغرافية لمساعد رئيس الجمهورية موسى محمد أحمد تجمعه مع ياسر عرمان أثناء فترة عمله في النضال المُسلّح ضمن قوات جبهة الشرق وقبل أن يتذوق طعم النِعمة، كان موسى يرتدي نعال بلاستيك بشبابيك أمامية تُظهِر أصابع قدميه، وهو اليوم من الأعيان، ومثله كثيرون تبدّلت مسقبتهم إلى رفاهية بفعل السلطة لا المُواطنة، فالشعب في عهد الإنقاذ يزداد بؤساً وفقراً وتعاسة مع كل صباح تشرق فيه الشمس، فالحال يُغني عن السؤال وليس هناك دليلاً ذلك أكثر من كونه – أي الشعب – هو صاحب نظرية "قدّر ظروفك" التي خرج بها على العالم في هذا العهد ، فأصبح يشتري الزيت بالملعقة والعطر بالبخّة والمعجون بالعَصرَة على فرشة الأسنان.

• قد لا يعلم كثير من أبناء هذا الجيل الذين شبّوا في هذا الظلام، أن المريض كان قبل الإنقاذ تُجرى له من عملية القلب حتى جراحة التجميل بالمستشفى العمومي بلا مقابل، وكان يُصرف له الدواء مهما غلا ثمنه من صيدلية المستشفى، وكان التعليم بالمدارس الحكومية للتلاميذ الذين يحرزون درجات عالية، ويدخلها أبناء الرؤساء والوزراء والأثرياء (درس محمد إبن الزعيم إسماعيل الأزهري بمدرسة الهجرة الإبتدائية والأميرية الوسطى والمؤتمر/ حنتوب الثانوية ثم جامعة الخرطوم)، وكان يدرس بالمدارس الخاصة أصحاب الدرجات المتدنيّة، وكانت أجور المعلمين مناسبة بالحد الذي كان يجعلهم يبذلون غاية جهدهم لنجاح التلاميذ، وكان من العيب على المعلّم إعطاء دروس خصوصية في المنازل بأجر أو دون أجر، وكانت المدارس الحكومية تصرف للتلاميذ الكتب والكراسات والأقلام والملابس الرياضية بلا مُقابل، وكانت بالمدارس الحكومية ميادين للكرة والأنشطة الرياضية الأخرى، إلى جانب نشاط الموسيقى والمسرح، كما كانت المدارس الثانوية ترتب رحلات مجانية للطلبة لزيارة المناطق النائية في الجنوب وجبال النوبة ودرافور والنيل الأزرق حتى يتعرّف التلاميذ على حياة السكان في مناطق السودان المختلفة، وفي المدارس بالمناطق البعيدة بجنوب وغرب وشرق السودان، كان يُصرف للتلاميذ طقمين من ملابس المدرسة، كما يُمنح كل تلميذ قطعة صابون لغسل الملابس أثناء عطلة الإسبوع.

• ثم أن المقارنة السليمة بين الحكومات تكون بمثيلاتها التي تُعاصرها في الزمن بدول أخرى ذات طبيعة وظروف مشابهة، وأفضل مقارنة لأداء حكومة الإنقاذ يكون مع حكومة بلد مثل إثيوبيا التي بدأ نظامها الحالي الحكم في تاريخ مقارب للإنقاذ (1991)، والتي وجدت الشعب الإثيوبي (90 مليون) يعيش فيما يُشبه المجاعة، وحتى عام 1992 كانت إثيوبيا تعتمد في إقتصادها على تصدير محصول البن وقليل من السياحة، وكان الزائر للعاصمة أديس أبابا يرى البيوت المُشيّدة من الصفيح والكرتون على جانبي الطريق من المطار إلى المدينة (بولي روود)، ولم يكن بالعاصمة الإثيوبية سوى فندق واحد "جيون" بثلاث نجوم، وكانت سيارات أجرة المطار (من نوع فيات موديل 60 وما قبله) من السوء بحيث تُقفل الأبواب في معظمها من الداخل عن طريق "ترباس" خشب، وكانت معظم شوارع العاصمة تُرابية وغير مسفلتة، وكان من النادر أن ترى مبنى من طابقين بالمدينة، وكان مطار العاصمة الدولي يتكون من مباني قديمة وسط غابة من الأشجار.

• في أقلّ من المدّة التي حكمت فيها الإنقاذ، إستطاعت الحكومة الإثيوبية أن تُغيّر وجه البلد وحياة المواطنين بشكل كامل دون أن تضرب يدها مثل الثمانين مليار دولار التي تقاسمها أهل الإنقاذ من عائدات البترول، وهي اليوم على رأس الدول الأسرع نمواً في أفريقيا، ففي أقل من (15) سنة أنشأت الحكومة الإثيوبية (52) مصنع نسيج و(32) مصنع جلود و(10) مصانع سكر و(9) مسالخ لحوم حديثة، وأدخلت محاصيل ومنتجات نقدية جديدة، وتُعتبر اليوم إثيوبيا ثاني أكبر دولة مُصدّرة للزهور في العالم (بعد كينيا)، كما تقوم بتصدير ما قيمته نصف مليار دولار من الذهب، ومثله من الغاز الطبيعي، كما تطورت إثيوبيا في صناعة وتصدير الملابس الجاهزة والصناعات الجلدية للولايات المتحدة وأوروبا، وتقوم بتصدير الكهرباء حالياً (قبل إكتمال سد النهضة) إلى كل من جيبوتى والسودان وكينيا وسوف يشمل تصديرها خلال الثلاث أعوام القادمة دول أخرى منها تنزانيا واليمن ومصر، وأدّى إستقرار الأمن والإقتصاد في إثيوبيا إلى جذب المستثمرين من أنحاء العالم، ويستطيع المستثمر تحويل كل عائداته للخارج عن طريق البنك، فليس في إثيوبيا سعر رسمي وآخر موازي للعملات الحرة، فسعر التحويل بالبنك هو نفسه السعر الذي تبدّل به العملة عند بائع السجائر مع عمولة ملاليم نظير الخدمة الفورية، وعند وصول النظام الحالي للحكم كانت قيمة الدولار حوالي "7" وحدات من العملة المحلية "البِر" وبعد مرور 24 سنة على الحكم لا تزال العملة المحلية تحافظ على قيمتها مع إنخفاض طفيف في حدود ما يحدث في شأن بقية العملات المستقرة حيث تبلغ قيمة الدولار اليوم "19" بِر، وقد أدى ذلك إلى بلوغ تحويلات المغتربين الإثيوبيين ‘لى معدّل (4) مليار دولار في العام.

• في أقلّ من (15) سنة أنشأت الحكومة الإثيوبية "كميونات" ضخمة تحتوي على عشرات الألوف من الشقق السكنية تعيش فيها اليوم العائلات التي كانت تسكن في عشش الصفيح، وقامت في مكانها سلسلة من العمارات الفخمة والأسواق الحديثة، كما يوجد اليوم بمختلف المدن في إثيوييا (مئات) من الفنادق العالمية مثل شيراتون وراديسون ساس وهيلتون وحياة ريجنسي ..الخ، وخلال هذه السنوات نجحت الحكومة في تطوير الخطوط الجوية الإثيوبية تضاعفت معه عدد الرحلات التي تسيّرها شركة الإثيويبة عشرات المرّات، فهي تطير اليوم إلى اليابان والصين (خمسة رحلات يوميا) وكوالالمبور وبانكوك ونيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس وفانكوفر (كندا) وعشرات المطارات في أوروبا إلى جانب (56) دولة أفريقية، كما تقوم بتسيير (41) رحلة داخلية تهبط في 19 مطار داخلي حديث، وقد قامت الخطوط الإثيويبة مؤخراً وفي صفقة واحدة بشراء عشرة من أحدث طائرات في العالم "دريملاينر"، كما تم بناء مطار حديث لإستيعاب حركة الطائرات والمسافرين (11 مليون مسافر سنوياً) وبحيث يخطو فيه الراكب من جسم الطائرة إلى مبنى المطار بدون إستخدام سلالم.

• خلال هذه الفترة، أنشأت حكومة إثيوبيا خط سكك حديد حديث لتسيير قاطرات كهربائية سريعة إلى دولة جيبوتي (750 كلم) لتأمين حركة الصادرات والواردات لميناء البحر، كما أنشأت شبكة طرق سفرية متطورة بطول 29 ألف كيلومتر صُمّمت ونُفذت بكفاءة عالية وكثير منه يتألف الإتجاه الواحد فيه من ثلاثة مسارات، كما أنشأت سلسلة من الأنفاق والجسور المعلّقة لإنسياب حركة المرو عند تقاطع الطرق بالعاصمة، كما جرى تشييد مدينة رياضية بالعاصمة أديس أبابا في مساحة مائة فدان ملحق به عدد من مراكز التسوّق إلى جانب فندق 4 نجوم، ويجري الآن العمل في إنجاز 7 ملاعب كرة أولومبية بالمدن الكبرى في إثيوبيا إكتمل العمل في 4 منها منها إستاد مدينة بحر دار بسعة (40) ألف متفرج.

• لا توجد في إثيوبيا هجرة من الأقاليم للمدن، وذلك بسبب التمنية المتوازنة التي توفر خدمات الصحة والتعليم وفرص للمواطنين في مناطق إقامتهم، وقد ترتب على ذلك أنه لا توجد زحمة بالمواصلات أو تدافع بالمصالح الحكومية بالعاصمة، ومع ذلك قامت الحكومة بإنشاء خط "مترو" أنفاق بدأ تشغيله قبل شهور يربط بين كل أحياء العاصمة.

• لا يوجد في إثيوبيا اليوم إنقطاع لخدمات الكهرباء أو المياه، ولا توجد أزمة غاز أو بنزين أو خبز، كما لا يوجد في إثيوبيا فساد وظيفي، لا على مستوى الوزراء وكبار المسئولين ولا على مستوى عسكري المرور، وذلك بفضل الصرامة التي تنتهجها الدولة في تطبيق القانون على الجميع، وتكاد تكون الدولة الوحيدة في أفريقيا التي يدفع فيها المواطن ما عليه من ضرائب بقناعة ورضاء تام، وهو يعلم أنها ترجع عليه وعلى أولاده في الخدمات التي تقدمها الدولة.

• هذه هي المقارنة التي تُخرس كل صاحب لفظ عاجز ولسان زفر دون حاجة لأن نُشير إلى ما يُقابل ذلك في سودان الإنقاذ !!
أكمل القراءه
 
وطن السلام | by TNB ©2010 وتم تعريب القالب بواسطة مدونة نصائح للمدونين .