كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره
1 2 3 4
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ادب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ادب. إظهار كافة الرسائل

الحب سحر يحرك الجبال

محيي الدين اللاذقاني
ما أن تسأل ما هو أجمل وأرق كتاب عربي في فن الحب حتى يأتيك الجواب دون تردد متفقا عليه أنه (طوق الحمامة في الألفة والآلاف)لأبن حزم الأندلسي ولا شك ان الاجماع على تقديم ذلك الكتاب لم يأت من فراغ فقد أثر اسلوب ابن حزم في رومانسيات القرون الوسطى والحديثة وتحول الى علامة فارقة في تاريخ العشق الانساني
قريبا عيد الحب ولو سألتني أين عاصمته لقلت دون تردد :قرطبة زرياب فكلما عبرت الاندلس يشدني الشوق الى قرطبة أكثر من غيرها لا شوقا لولادة وابن زيدون وابن ميمون وابن رشد بل قبلهم جميعا لابن حزم الفقيه العاشق الذي صنع بلطفه ورقته وجمال مخيلته المشدودة الى واقعها بخيوط من حرير تاريخا لرومانسيات القرون الوسطى عند الاوربيين وعندنا فلهجته وتسامحه وبذخه الروحي الحميم تختلف جميعها عن كل ما ألفناه من كتب الحب وحكاياته في التراث المشرقي . بعض الناس تشدهم غرناطة بحمرائها ومآسيها وتنهيدة العربي الأخير فيها لكنها في النهاية ومهما قيل عنها مدينة دسائس سياسية ومكائد سلطوية ودم يسيل ليملأ الآبار و يجري في النوافير كما حدث أبان نكبة بني سراج وهذا ما لم يكن ينقص قرطبة لكنها وكلكل المدن الذكية التي تحتفي بجماليات الروح على قدم المساواة مع عربدة الجسد قدمت رومانسياتها وفلسفتها على دسائسها فصارت مدينة للعشق وتسامح الروح الباذخة التي تتنشقها الى اليوم صافية على قنطرة الوادي الكبير. وقد كان ابن حزم من أكثر ابنائها نجابة وسعة أفق لذا لم يصعب عليه ان يكون عاشقا وفقيها في الوقت نفسه وان يشتهر بكتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل )بذات المقدار – وربما أكثر – الذي اشتهر به بكتاب (طوق الحمامة في الألفة والآلاف)الذي ألفه كما ينص في المقدمة لخيران صاحب المرية من حيث الظاهر – وهوظاهري –أما من حيث الباطن والتأوبل فذاك الكتاب كما أظن باقة اخلاص لحب قديم تملكه وسد عليه منافذ الأفق وكان لابد لتلك التجربة ان تخرج بطلب او دونه فالحب المعتق في قوارير الماضي كعفاريت القماقم يظل يتلجلج ويدور في المسارب والفضاءات المغلقة حتى يكسر القمقم ويخرج الى النور .
ولا يخفي ابن حزم حكاية روحه المعذبة بحب أفلت صاحبته ولم يأفل فهو يخبرنا تلميحا بلطف منذ اول الكتاب في باب (من احب صفة لم يستحسن بعدهاغيرها مما يخالفها ) انه احب- بلوندية - شقراء في صباه ولم يفكر بعدها في الشعر الاسود وصاحباته مهما بلغن من الجمال والفتنة (ولو انه على الشمس او على صورة الحسن نفسه ) ثم يصرح بالقصة كلها في باب البين في نهاية الكتاب :


(وعني اخبرك اني احد من دهي بهذه الفادحة وتعجلت له هذه المصيبة وذلك اني كنت من اشد الناس كلفا واعظمهم حبا بجارية لي كانت فيما خلا اسمها نغم وكانت امنية المتمني وغاية الحسن خلقا وخلفا وموافقة لي وكنت ابا عذرها وكناقد تكافأنا بالمودة ففجعتني بها الاقدار واخترمتها الليالي ومر النهار وصارت ثالثة التراب والاحجار وسني حين وفاتها دون العشرين وكانت هي دوني في السن فلقد اقمت بعدها سبعة اشهر لا أتجرد عن ثيابي ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني وقلة اسعادها وعلى ذلك فوالله ما سلوت حتى الان ولو قبل فدا لفديتها بكل ما املك من تالد وطريف وببعض اعضاء جسمي العزيزة علي مسارعا طائعا وما طاب لي عيش بعدها ولا نسيت ذكرها ولا أنست بسواها ولقد عفى حبي لها على كل ما قبله وحرم ما كان بعده ) .
رقصة التحدي
لقد كانت ذكرى نغم – حب في زمن الحرب – فزمن ابن حزم كان من حيث الاضطراب السياسي كزماننا استطيب فيه السياسيون قوانين القوة الغاشمة فلم يعملوا بغيرها ولم يكن بيد الفيلسوف العاشق وخبير الملل والنحل غير عقله وقلمه فاستخدمهما بالتوازي والتقاطع ليحكي عن عالم قلق ويحلم بآخر أفضل فيه الكثير من الحب والقليل من الدم والكراهية .
لقد كتب علي بن احمد الاندلسي كتاب الطوق الذي صار علامة فارقة في تاريخ العشق العربي والانساني في لحظات انكساره السياسي والفكري فقد حبسه صاحب المرية لاحقا بتهمة التحريض لقلبه واعادة الحكم الاموي وقبل ذلك نهبت ضياعه وصودرت امواله وشرد من دياره ومنازل حبه وغرامه فلم يعد اليها الا ليجدها قاعا صفصفا وليرثيها شعرا ونثرا في نصوص حفظها وزير غرناطة المنكوب مثله لسان الدين بن الخطيب :
(وقفت على اطلا ل منازلنا بحومة بلاط مغيث من الارباض الغربية ومنازل البرابر المستباحة عند معاودة قرطبة فرأيتها قد محت رسومها وطمست اعلامها وخفيت معاهدها وغيرها البلى ... وكررت النظر فيها ورددت البصر وكدت استطار حزنا عليها وتذكرت ايام نشأتي فيها وصبابة لداتي بها مع كواعب غيد الى مثلهن يصبو الحليم ) .
وانطلاقا من هذه المصائب المركبة والخلفيات تصبح استعاديات الحب واللحظات السعيدة عمل احياء وبناء عوالم متوازية للسلوى التي قد تتحول حين تتكثف بفنية عالية الى حياة ثانية ألم يكتب مارسيل بروست ملحمة ضخمة من عدة اجزاء ليعيد رسم الاشياء والاحداث التي تعبربسرعة وتختفي فلا يظل منها الا أشباح الذكرى فكتاب طوق الحمامة بهذه المعاني ووسط تلك الاضطرابات رقصة من رقصات التحدي التي تنتصر لثوابت الحياة واقانيمها العادلة الرهيفة واولها الحب الذي نظنه ضعيفا قليل التاثير ثم نكتشف كما قالت( سيلين ديون)في احدى اشهر اغانيها بعد ابن حزم بالف عام انه سحر خفي لا يفوت الى روحك ليحتلها حلالا زلالا فحسب لكنه ايضاقوة غامضة نورانية تحرك الجبال الشوامخ وتخلق للعاشق أجنحة ليحلق مثل الطيور الى الاعالي ويخف الى لقاء من يحب :
لا شئ يمنعنا من التحليق
ان نكون في قلب الليل وقلب الضوء
الحب يمكنه ان يحرك الجبال
ولانه بجانبنا سنطير ونلمس السماء
يمكننا عمل كل شئ والوصول الى كل شئ
الحب وحده من يمكنه تحريك الجبال
لقد كانت هذه المعاني الحديثة كلها واضحة في ذهن الفقيه العاشق الذي أثر كتابه شرقا وغربا وصار مرجعا لتاريخ الرومانسية لأنه قدم الحب على ما سواه لمعرفته انه مفتاح السعادة او الشقاءونظرا لتلك الاهمية رفع ابن حزم العشاق فوق الجميع فالعشاق عنده أهم من الحكام ونفوذ المحب المتأكد من حب حبيبته وهيبته عندها وفي نظر نفسه والناس لا يعدلها اي نفوذ ولااية هيبة :
(الحب مكان تتقاصر دونه اللغات وتتلكن بتحديده الالسنة ولقد وطئت بساط الخلفاء وشاهدت محاضر الملوك فما رأيت هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبه ورايت تمكن المتغلبين على الرؤساء وتحكم الوزراء وانبساط مدبري الدول فما رأيت اشد تبجحا ولا أعظم سرورا بما هو فيه من محب أيقن ان قلب محبوبه عنده ووثق بميله اليه وصحة مودته له ).
ولا عليك من لفظة - تبجحا – فالمؤلف يعنيها في سياقها الطاووسي حين ينفش المحب ريشه كالطواويس في القصور مدلا بمكانته عند من اختارها القلب فردت التحية باحسن منها وأجرت كل ما عندها من بحار الحب ومحيطاته باتجاه من كانت تكفيه ساقية ليسعد بالسباحة في ذلك الكون الرهيف الاليف الودود الحميم الذي يحلم به خلق كثير ولا تدركه الا القلة المحظوظة . وقد افترضت ذات يوم وما زلت الح على هذه الفرضية دون ان أعثر على وثائقها بان ثرفانتس بكل براحه الروحي الاندلسي النبيل ربما يكون قد اطلع على الطوق وربما كانت شخصية ابن حزم من النماذج الطوباوية التي استوحاها في رسم ا الخطوط العامة لدون كيخوته دي لامانتشا فكل مواقف ذلك الفيلسوف والفقيه والعاشق الكبير كانت في صف العدل والاخاء والمساواة والحرية وكان في كل ما كتب حربا على الطغاة والمستبدين والظلمة وليس من المستبعد ان يكون ثرفانتس الذي تطفح رائعته بالسماء العربية قد عرف الطوق وغيره من مؤلفات ابن حزم فقد تم اسره وامضى في الحبس اعواما في الجزائر في محيط عربي اطلع فيه على الكثير من المخطوطات بعد ان تعلم العربية هناك في السنوات الخمس التي امضاها بانتظار من يفك اسره ثم ان ثرفانتس عاش كما هو معروف ردحا من حياته في ايطاليا وتعلق بثقافة الايطاليين وبشيخهم دانتي وهذه قرينة اخرى فهناك من يفترض ايضا اطلاع دانتي على طوق الحمامة ويدل على ذلك بوجود كتاب للعبقري الايطالي اسمه (الحياة المجددة –لافيتا نوفا)وهذا التعبير من صفات الحب في الطوق ففي باب الوصل يقول ابن حزم :
(ومن وجوه الوصل وهو حظ رفيع ومرتبة سرية ودرجة عالية وسعد طالع بل هو الحياة المجددة والعيش السني والسرور الدائم ورحمة من الله عظيمة ولو لا ان الدنيا دار ممر ومحنة وكدر والجنة دار جزاء وامان من المكاره لقلنا ان وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه والفرح الذي لا شائبة فيه ولا حزن معه وكمال الاماني ومنتهى الأراجي ).
وقد تساءل الدكتور الطاهر احمد مكي صاحب اكمل تحقيق للطوق وهو يعلق على تعبير – الحياة المجددة - الذي اعاد استخدامه دانتي :أكان مجرد التقاء فكر بين عبقريين ام ان الاديب الايطالي عرف الطوق ؟وما يزال هذا السؤال معلقا بانتظار دراسة معمقة كتلك التي جرت بين الكوميديا الالهية ورسالة الغفران وكانت نتائجها لصالح ابي العلاء المعري من حيث اثبات تاثيره في رائعة دانتي . الفروسية العقلية وبالسنبة لدون كيخوتة يظل ابن حزم اقرب للتاثير والتأثر من حيث استيحاء النموذج الطوباوي للفارس النبيل لا لوجوده في الاندلس بل لالحاحه على معاني الفروسية العقلية وذاك هو الهدف المضمر لثرفانتس الذي سخر في كتابه الجميل سخرية مرة من الفروسية الفارغة البلهاءالتي لا تنتج الادما ودمارا ولا تزدهر الا بالاكاذيب والتبجح والعنجهية .
وفي ما يتعلق بالفروسية العقلية كان ابن حزم فارسا لا يشق له غبار وأحد المتحدين الكبار لجهل العامة ولاستبداد الولاة فحين احرقت كتبه في اشبيليا في زمن المعتضد بن عباد والد المعتمد نظم تلك الابيات التي تنضح باحتقار اعداء المعرفة وتقلل من انتصاراتهم بعد حفلات احراق الكتب التي تتكرر بوتيرة مخيفة في التراث العربي المشرقي والاندلسي يقول الفقيه العاشق للذين أحرقوا كتبه :
دعوني من احراق رق وكاغد
وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
فان تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي
وينزل ان انزل ويدفن في قبري
ومع هذا التحدي المعرفي لاعداء السماحة والمعرفة و الذي يدل على فروسية عقلية باهرة وثقة بالنفس لا يمكن انكارها كان ذلك الفارس الذي لا يبارى في المحاججة العقلية والمناظرة يذوب رقة حين يحكي عن الحب وعذابات القلب وكانت الخبرة الشفافة المرهفة تطل من كل حرف من حروف كتابه الممتع الاليف :
(الحب – اعزك الله –أوله هزل وآخره جد دقت معانيه لجلالتها ان توصف فلا تدرك حقيقتها الا بالمعاناة وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور بالشريعة )ومن يبدأ هكذا بدايات حيية خجولة لا بد ان يتابع على ذات الوتيرة من الرومانسية العفيفة المبرأة من الشهوانية الصريحة – وكل مكشوف ممجوج –ولعله بسبب هذه الصفة بالذات تم اخراجه من سياق الرومانسية العربية بجرة قلم استشراقية فالعرب شهوانيون حسيون لذا يجب ابعاده عنهم ونسبة طريقته في التعبير عن العواطف الى العالم الغربي .
واول من شجع على هذه الطريقة في التفكير وفي ابعاد ابن حزم عن جذوره المستشرق الهولندي ( رينهارت دوزي ) مكتشف مخطوطة طوق الحمامة في جامعة ليدن بين المخطوطات الغزيرة التي جلبها (فون وارنر)في القرن السابع عشر من الآستانة . يقول دوزي معلقا على غرام ابن حزم في كتاب – تاريخ مسلمي اسبانيا- :
( يلاحظ في هذه القصة ملامح عاطفية رقيقة غير شائعة بين العرب الذين يفضلون بصفة عامة الجمال المثير والعيون الفاتنة والابتسامة الساحرة والحب الذي كان يحلم به ابن حزم يختلط بما هو حسي وجذاب لكن فيه ايضا ميلا الى ما هو اخلاقي من رقة بالغة واحترام وحماسة من يأسره جمال رائع وديع فياض بالكرامة الحلوة لكن يجب الا ننسى ان هذا الشاعر الاكثر عفة – واكاد اقول الاكثر مسيحية – بين الشعراء المسلمين ليس عربيا خالص النسب انما هو حفيد اسباني مسيحي لم يفقد كلية طريقة التفكير والشعور لبني جنسه هؤلاء الاسبان الذين تعربوا يستطيعون ان يهجروا دينهم وان يبتهلوا بمحمد بدل المسيح وان يلاحقوا بالسخرية اخوانهم القدامى في الدين والوطن ولكن يبقى دائما في اعماق ارواحهم شئ صاف رهيف و روحي غير عربي ) .
ومن هذا الدليل الذي ينضح بثقافة عنصرية تدرك ان ابن حزم الذي عاش في القرن العاشر الميلادي كان أكثر تحضرا من دوزي ابن القرن التاسع عشر فالمسألة لها علاقة بالنفوس لا بالاعراق والاجناس والتواريخ والنفس الحسنة – بلغة ان حزم – ترى الجوانب الحسنة وتبحث عن المتآلف بين الافراد والشعوب وتجعل من قيم الحب بوصلة تبعد صاحبها عن الذم والمثالب والاساءة دون معرفة فالحب الاخلاقي الوديع الفياض بالكرامة عرفه العرب في باديتهم قبل ابن حزم بقرنين من الزمان في مضارب بني عذرة وعند شعرائها الذين تشكل قصصهم مع الذين جنوا عشقا ثلث قصص الحب في التراث العربي .
ان الحب على مذهب ابن حزم ليس حب الذكر للانثى وحسب لكنه اكثر شساعة وبراحا من الثنائية الجنسية فهو يمتد عبر الكون كروح خفية خلاقة تبعث الحياة في الكائنات وتعطي للوجود معناه الغائب المفقود الذي نحتفي به سنويا في عيد واحد ولو عقلنا لقدمناه على تلك المناسبات المملة الرتيبة كلها وأعطيناه كل يوم ومع شروق كل شمس ألف مهرجان وعيد .
أكمل القراءه

تفكــــيك نصـــوص الإســـلام الأولــــى

تَطرح الكتابات الإسلامية الأولى، باعتبارها رسالة دينيّة، مشكلا عويصا، على غرار المصادر المكتوبة الأصلية للتّيارات الدينية الكبيرة السابقة، ولكن هنا مع اختلافات خاصّة.
الشيما schéma (المخطط) الديني التقليدي في البلاد الإسلامية هو بالفعل، في البداية، يأتي كالتالي : كتابة/نصّ/كتاب [Ecriture/Ecrit/Livre] مُنزَّل على رسولٍ بلَّغَه كما تلقّاه. هذا الكتاب لا يُمكن إذن أن نُعامَله كما نُعامِل وثيقة بشريّة. فهو الكتابة بألف ولام التعريف أي مقدّسة Ecriture، وليس مجرّد كتابة (بشريّة) écriture. وهو يحتوي من ناحية أخرى على الحقيقة التي سبق وأنزلها الله على موسى وعيسى، وقام أتباعُهما بتحريف ما كان قد أُنزل عليهما بل بتشويهه أو على أيّ حال قاموا بتأويله تأويلا خاطئا. هم إذن أحرار في مُعاملة نصوصهم كما تُعامَل الوثائق البشريّة. ولكنّ هذا لا ينطبق على القرآن، فالله لا يُمكنه بحال أن يُخضع "للنّقد" حتّى ولو كان نقدًا علميّا.
ذاك هو إذن، في خطوطه العريضة، الشعور المُهيمِن والقناعة الراسخة. هذا الشيما الشامل للتصوّر، الذي يُميّزه فهم عمودي لِوحْي "مُنزّل" على نبيّ مبعوث، يُرتّب إذن كتابات الإسلام الدينيّة بحسب ما يطرحه في البداية باعتباره اللّحظة العظيمة المُؤسِّسة : الوحي، نزول القرآن، في مكّة أو في المدينة. فلا يهمّ، بالنسبة للأكثريّة التنازع بخصوص ما هي الآيات القرآنيّة التي كانت بالضّبط أوّل الوحي الذي نزل من السماء على النبيّ؛ أو محاولات الكشف حسب الحالات عن "أسباب النزول" كما يرويها المفسّرون؛ أو أيضا التاريخ المضطرب لعمليّة "جمع القرآن" كما يقدّمها المأثور الإسلامي نفسه؛ أو زمن تدوينه النهائي تحت إشراف هذا الخليفة أو ذاك، في هذه الحقبة أو تلك. اعتبار المسلم لهذا النص وحيًا منزّلا يشكّل بالنسبة له حافزا، وهو نصّ تلقّاه محمد من الله مُنجَّما ودون زيادة فيه أو نقصان كمجرّد متلقٍّ طوال نُبوّته بين مكّة والمدينة ومختلف أماكن الغزوات، كلّ ذلك "بلسان عربيّ مبين" : "اللّغة العربية… التي نزل فيها القرآن، هي إملاء من الله على نبيّه محمّد، وليس تأويلا بشريّا للكلام الإلهي كما هو الحال بالنسبة للأناجيل" : هكذا أفصح مؤخّرا أندريه ميكال عن رأيه في حوار نُشر في الصحافة الفرنسيّة الأسبوعيّة.
في هذا المنظور، فإنّ قمّة ما يشبه الهرم هي التي تجد نفسها موضوعة في البداية، وليس أساس هذا الهرم. ثمّ بعد ذلك، وبواسطة حركة تراتبيّة تنازليّة، تأتي تدريجيّا الأقوال والأفعال والإقرارات التي يرويها عن النبيّ المأثور متعدّد الأشكال نصف الشفهيّ، ونصف الكتابي للحديث، بما في ذلك كتب المغازي والسير، ثمّ تفاسير القرآن المنسوبة للصّحابة والتابعين، وأخيرا أمّهات الكتب من شتّى الأصناف التي تقوم عليها ركائز السنّة [مجاميع الحديث المعترف بها، تأريخ إمبراطوري للسّيرة، تفاسير قرآنية، إلخ]، كلّها تأتي تدريجيّا لتقوم بإرساء البناء الضخم لمصادر الإسلام المكتوبة، والتي ليس بإمكانها أن تُنشِّط نظريّا المؤمن المسلم إلاّ بقدر ما يكون الاتجاه التنازلي للبناء قد تمّ احترامه، كما هو الشأن بالنسبة للبناء الهرمي الذي تنحدر منه. هذا هو شيما التصوّر العادي للتّقليد الإسلامي بالنسبة لكتاباته الدينيّة الأولى.
هذا ما قد يكون عليه أيضا وغالبا الشيما الضمني سواء للّغة، أو لإشكاليّة بعض كتابات المُستَعرِبين الفرنسيين في هذا الموضوع، أو لِنَمط التصوُّر الذي مازال يُحدِّد بعض الأعمال والذي لا يعيه مُؤلِّفوها إلاّ بنصف وعي. بالفعل، بخصوص النصوص التاريخيّة المُتعلِّقة بنشأة الإسلام، هناك فقط عدد قليل من المصادر القديمة، المُعاصرة لهذه النشأة ولكن من خارج الأمّة الإسلامية الوليدة، وقع استغلالها وأمكن حتى الآن مُقابلتها بمصادر المأثور الإسلامي فيما يتعلّق بأصوله ذاتها. وهكذا انتهت هذه المصادر الأخيرة بفرض طريقتها الخاصّة بها لقراءة الأحداث ومدلولها، حتّى على الباحثين الذين قد يُصرّون أكثر على إظهار موقف مُتشكِّك في ميادين أخرى.
غير أنّه، بعد الانغلاق داخل العلوم التاريخية والفيلولوجيّة البحتة التي طبعت بعض الدراسات الإسلامية، أعقب ذلك منذ بعض الوقت انفتاح أكبر على علوم أخرى، إذن على مصادر أخرى، إذن على إمكانيات أخرى لقراءة النصوص القديمة. في حين أن التاريخ يبقى في كلّ ذلك حافزا هامّا، فضلا عن الأركيولوجيا، اغتنى بتاريخ النصوص، وتاريخ الأفكار، وتاريخ الذهنيّات، وتاريخ أديان الشرق الأوسط. فالأنثروبولوجيا الدينية تحتفظ بمكانها وتُدقّق مناهجها. كما تحافظ الفيلولوجيا على أهمّيتها؛ ولكنّ هذه الأهميّة قُلِّل من وزنها ونسبتها وفي المقابل وقع إثراؤها بمناهج اللّسانيات وطرق التحليل البنيوي.
يبدو بخصوص الإسلام ونصوصه الدينيّة أنّ البحث، في فرنسا، ما يزال يعاني من بعض التردّد وحتّى أحيانا من رفض من طبيعة سيكولوجيّة، ليس فقط بالنّسبة لما يمكن أن يُكتب في الخارج ونقرأه، ولكن أيضا بالنسبة لما يُكتب في فرنسا نفسها بخصوص فضاءات دينيّة أخرى غير إسلاميّة. بالإمكان تحليل أسبابها، ونأمل أن تُحلَّل هذه الأسباب بوضوح كاف. من غير المُستبعد أن يكون بعضُ التخوّف من "المغامرة"، ومن وضع أفكار جاهزة موضع تساؤل، ومخطّطات مُسبقة، وطُرقَ مقاربة لا تريد أن تتزحزح، من الأسباب الهامّة لذلك. ويمكن أن نضيف إلى ذلك، بتطبيقه على موضوع بحثنا بعد أن نغير ما يجب تغييره، ما قاله حديثا حقّا وصدقا كريستيان برومبرجيه Christian Bromberger، بصواب شديد، بخصوص العلوم الإجتماعيّة، عن "… توجُّه تعاطفي يقود إلى الانزلاق من التفسير إلى التبرير، من الإثنولوجيا Ethnologie إلى الإثنولوجياوِيّة Ethnologisme، ورفع ممارسات ثقافيّة نسبية إلى مصاف القِيَم المطلقة، وتحويل الخاصّ إلى مُطلق. من الصعب أن يكسب الباحث مصداقيّة أكبر عندما يُصبح الناطق الرسمي باسم المعنى الثقافي بدلا من أن يكون مجرّد مُفسِّر عاديّ له". [مجلّة دراسات العوالم الإسلامية والبحر المتوسط، عدد خاص 1991، REMMM].
إذا كان هناك خطّ مشترك يجمع تقريبا بين بعض هذه الدراسات المنشورة هنا من باحثين من فرنسا، فهو خطّ يمكن أن يُوجِّه بالأحرى العقول في اتّجاه معاكس لاتّجاه الشيما التقليدي للتّصور كما رسمنا ملامحه أعلاه. فالمنظور الذي وقع تبنّيه ليس منظورا نقليّا إيمانيّا fidéiste؛ وهو لا يريد أيضا أن يكون متعاطفا إلى درجة الخضوع لشروط الإشكاليّة الإسلاميّة العتيقة مهما كانت جديرة بالإحترام داخل النسق الذي تنتمي إليه حتّى ولو كان لهذا النسق نواقصه. وهذا لا يمنع أنّ كلّ واحد من المؤلِّفين يَعي بدقّة أنّ الموضوع الديني يُوظّف غالبا، على المستوى الشخصي، شيئا آخر غير البحث الفكري والعلمي. ولأجل ذلك كان كلّ واحد منهم حرّا في تناول موضوعه كما شاء.
على ضوء النتيجة النهائية، المتمثّلة في هذا العدد من المجلّة، باستطاعتنا أن نلاحظ أنّ منظور جميع المؤلِّفين هو منظورُ معالجةٍ دقيقة للنصوص ولكيفيّة تكوّنها وتأقلماتها التاريخيّة والثقافية، وديناميتها الذاتية. إنّ هؤلاء المؤلِّفين، المُتشبّعين بتقليد طويل لكتابات سابقة أو حاليّة، وانطلاقا من أمثلة خاصّة اختارها تباعا كلّ واحد منهم، يطرحون الأسئلة حول السياق الذي تأسّست فيه هذه الكتابات، وحول طريقة تحريرها، وحول الأوساط، والقوى، والأفكار، والتجارب، والمحيط الثقافي، التي تضافرت كلّها على إنشائها، والتي ألهمتها والتي تسمح إذن باكتشاف مدلول ما تحتوي عليه بعيدا عن التفسيرات التقليديّة. فهم يسائلون النصوص عن ديناميكية نشأتها، وتطوّرها، وأهميّتها، ومدلولها. وهم يدركون قطعا أنّ كل هذه المواضيع حسّاسة بالنسبة للمسلمين المؤمنين. ولكنّهم يتجنّبون تقديس الصور iconographie – حتّى لا نقول عبادة الصور iconolâtrie – الذي حصرت فيه القرون السابقة بعض النصوص. فالعديد من المأثورات الإسلامية القديمة تحثّنا على التفكير بأنّ هذه الكتابات الأوليّة، بما في ذلك تلك التي كانت أساس القرآن، كان يُنظر إليها على أنها نصوص ديناميكيّة وخاضعة للأحكام البشريّة وأنّها لم تكن قط جامدة. إذن فنحن لا يمكننا إلا أن نقوم بدراسات من هذا الطراز إذا ما أردنا فهم النصوص القديمة في حركيّة انبثاقها.
تدعو الدراستان الأوليان لهذا العدد القارئ إلى الأخذ بعين الإعتبار عناصر نادرا ما تسنح له الفرصة بمساءلتها، والتي تبقى عادة مرصودة للتخصّص العالي : علم البرديات [يوسف راغب] والنقوش [صولونج أوري Solange Ory].
بالفعل، عندما نقول "كتابة"، فهذا يفترض قبل كلّ شيء وجود هذه العناصر الأساسية التي هي الدّعامات المادّية للنّص المكتوب (حجارة، خشب، بردي، رَقّ وجلود حيوانات، قطع خزف، عظام حيوانات، ورق، إلخ …). كما يفترض أيضا إعطاء الأهمية لطريقة الرسم التي يستعملها الخطّاطون (هنا الخطّ العربي وطرق انجازه القديمة، ومشاكله الخاصّة)؛ وأخيار الأدوات أو المواد المُستعملة في الرّسم ذاته (للنّقوش : فسيفساء، صفائح البرونز، أدوات النقش، إلخ؛ الأقلام والريشات للكتابة على المواد الليّنة).
نصوص بدايات التوسّع العربي والإسلامي، في السياق الأوسع للمارسات الشرق أوسطية السابقة، سواء كانت دينيّة أم لا، كانت إذن نوعا ما مشروطة بظرف لم يكن عاديّا؛ والباحثون الذين يَنكبّون على تاريخ نصوص هذه الحقبة ليس بإمكانهم إهمال هذه الظروف. ونحن نعي هذا تماما عند قراءة دراسة يوسف راغب الحذرة والمُوثَّقة(2)، سواء فيما تعلّق بالدعامات المادّية للكتابة (بردي، رقّ، ورق، إلخ) أو فيما تعلّق بالكتابة نفسها (شكل الحروف، تنقيط، حركات، إلخ) وأخيرا فيما يتعلّق بنُدْرة الوثائق المكتوبة التي وصلتنا من قرن الإسلام الأوّل خصوصا في المجال الديني، في حين أنّ الوثائق الإداريّة والتجاريّة التي وصلتنا من نفس الفترة هي أكثر غزارة ولكن في مصر فقط.
قد يتساءل القارئ غير المُطّلِع، بعد هذه القراءة، عن أسباب نُدرة، بل عن غياب، وثائق دينيّة إسلاميّة لهذه الحقبة مشهود بصحّتها والتي كان بالإمكان أن تصل إلينا. وبالفعل، كانت تقاليد الكتابة على البردي والرِّقّ في الشرق الأوسط مُترسّخة منذ زمن بعيد، وأفسحت المجال، قبل الفتح العربي، لإنشاء مكتبات بأتمّ معنى الكلمة. أسباب ذلك، فيما يخصّ مجالنا، يمكن أن تكون مُتعدّدة : عوائق دعامات ماديّة هشّة ومُكلفة؛ كتابة عربيّة هي نفسها لا تزال تتعثّر؛ تحفّظات إزاء طريقة نقل وحفظ أخرى غير الطريقة الشفويّة؛ شكوك وجدالات عنيفة حول محتوى وطبيعة ما كان من المُلائم تدوينه كتابة، إلخ. إذن، هناك كثير من المشاكل العالقة والتي تدعو الباحثين إلى التواضع والحذر.
مع ذلك، فيما يخصّ النصوص الدينية، بقيت لنا من تلك الفترة وثائق مادّية هامّة، بالخصوص ما كان منها منقوشا على تلك المادّة الأزليّة التي هي الحجارة. وهذه الوثائق تَهب نفسها بسهولة لتحليل محتواها إلى درجة أنّه باستطاعتنا أنّ نؤرخها سواء بصورة تقريبيّة أو بصورة دقيقة. وهذا هو بالخصوص شأن نقوش الفترة الأمويّة بما فيها نقوش صخرة الأقصى، التي وقع تحليلها من بين نقوش أخرى وبكلّ دقّة وبساطة من طرف صولونج أوري (3)Solange Ory.
فعلا، تعطينا هذه الباحثة ليس فقط اقتباسات مُهمّة من هذه النقوش، ولكنّها تقوم بخصوصها بتعليق قصير يضعها في سياقها الجغرافي والتاريخي والثقافي والديني. هذه الدراسة المُلهِمة تسمح للقارئ بأن يقوم ببعض الاكتشافات المُهمّة، ولكنها أيضا تثير في نفسه تساؤلات جديدة : هل تزامن نصّ القرآن الحالي مع نقوش قبّة الصخرة أو كان سابقا لها، الصياغة البدائية للتّشهد في الإسلام وتاريخه، … إلخ.
الدراسات المُتعلّقة مباشرة بالنصوص القرآنية يُمثّلها في هذا العدد مقال ألفريد-لويس دو بريمار حول ترجمة جاك بيرك Jacques Berque حديثا للقرآن إلى الفرنسيّة ، ومقال جون لامبير Jaen Lambert حول سورة الصّافات، ومقال جمال الدين بن الشيخ حول أسطورة عاد التي تذكُرها، من بين نصوص أخرى، الآيتان 5-6 من سورة الفجر.
أجل، لقد بدا لنا من غير المجدي تكرار أشياء سبق عرضها عن القرآن خاصة في كلّ المسائل التي تمّ شرحها منذ وقت قريب من طرف أ. ت. ويلش A. T. Welch في مادّة "قرآن" في الطبعة الجديدة للموسوعة الإسلاميّة. إذن فقد تناولت هذه المقالات نصوصا مُحدّدة أو مواضيع خاصّة مُتعلّقة بالقرآن.
الترجمات الفرنسيّة الجديدة للقرآن، في الفترات الأخيرة، ليست بالقليلة : ترجمة أندريه شوراكيAndré Chouraqui، ترجمة رينيه خوّام René Khawam، وترجمة جاك بيرك. وقد اكتفينا هنا بتقديم "ملاحظات مُرتَجَلة" (4) حول الترجمة التي قدّمها جاك بيرك.
ملاحظات مرتجلة، وهي بالفعل كذلك لأنّ كاتبها ليس له اطّلاع طويل ومعمّق بما فيه الكفاية على هذه الترجمة لكي يُقدّم شيئا آخر غير انطباعه الأوّل انطلاقا من استطلاع في الترجمة ذاتها وأيضا في تعليقاتها. غير أنّ الانطباع الأوّل تأكّد منذ الصياغة الأولى لهذه الملاحظات، خصوصا عند قراءة بحثيْ ج. لامبير [سورة الصّافات] وجمال الدين بن الشيخ ["إرم ذات العماد"، في سورة الفجر] المنشورين في هذا العدد.
سورة الصّافات هي بالفعل عصيّة على الفهم سواء في نصّها الأصلي أو في ترجمتها. وجاك لامبير يدعونا إلى قراءة هذه السورة "قراءة أنثروبولوجيّة صغيرة"( 5) مادّا بصره إلى ما وراء نقاشات الفيلولوجيا الإسلاميّة المألوفة. هذه القراءة المُنعشة تُدمج في نفس الوقت الأسس الكبرى للثّقافة والتعبير الديني للشّرق الأوسط، والسياق التاريخي للنّص مأخوذا بمُجمله وفي صياغته النهائيّة، وبالنتيجة "تكوين" النصّ ذاته بقدر ما يستطيع تحليلٌ بنيوي للسّورة، مأخوذة ككلّ، مساعدتنا على رسم ملامح هذا التكوين. فالكاتب يرى النّص النهائي لهذه السورة مرتبطا ارتباطا حميميّا بصراع العرب المسلمين الثقافي والسياسي مع الفرس بعد انتصارهم عليهم بالسلاح، صراع قنّعه انشقاق شيعة علي المعارضين خلال الفتنة الكبرى.
قد يتفاجأ القارئ من الوهلة الأولى بما يبدو له فرضيات محضة. ولكن هذه الفرضيات بالتحديد، المبنيّة على الإدراك الحادّ للرّوابط الموجودة بين الأنثروبولوجيا والتاريخ والنصوص خاصّة إذا كانت هذه النصوص دينيّة، هي الفرضيات التي يجتهد ج. لامبير في فحصها وإقامة البرهان عليها. فالقارئ الذي يقبل أن يتبعه يرى حينئذ السورة تنتظم تدريجيّا في كلٍّ مُتماسك ومُقنع فعلا، سورة فَرَضت على المُفسّرين القدامى اللجوء إلى العديد من "حيل" التأويل التقليديّة؛ وطرحت على المحُدَثين أسئلة بقيت بدون أجوبة حقيقيّة خاصة عن الوحدة والمزيج غير المتجانس لمجموع السورة.
قراءة جون لامبير الأنثروبولوجيّة والتاريخيّة والتي يجب متابعتها معه من البداية إلى النهاية، تُوضّح توضيحا تامّا جُملة ميشيل سير Michel Serres التي قدّم بها مقاله(6). فهي تقترح لسورة الصّافات، في هذا الفهم، وبطريقة مُبرهَنة ومُضيئة، تفسيرا لمجمل السورة ولآياتها الواحدة بعد الأخرى يُجدّد شيئا ما منظوراتنا.
ليس كأنتروبولوغ ولا كمفسّر عالج جمال الدين بن الشيخ "إرم ذات العماد أو غضب الله"(7) انطلاقا، بين آيات أخرى، من الآيتين 5-6 من سورة الفجر، ولكن بالأحرى عالجها كمؤرّخ للأدب العربي، آخذا كلمة "أدب" بمعناها الأوسع "ما كُتب عن…". ومن خلال تشبُّعه بعلوم شتّى بينها التاريخ العام والأنثروبولوجيا الإجتماعيّة والتفسير، فإنّه استطاع مُساءلة النصوص، إذن البشر، عن أسطورة "إرمَ ذات العماد"، مُحاولا اكتشاف، لا فقط مدلول الأسطورة، ولكن أيضا المقاصد أو الرغبات الخفيّة التي تَحملها النصوص في صلبها دون أن يكون كاتبوها مدركين لذلك دائما. وهو يقوم بهذا، فإنّه يتساءل هو نفسه عن الصدى الذي يُحدثه عنده "النصّ المُقدّس" و"الأسطورة" الّلذان يُوظِّفُهما هذا النّص الذي يتَحمَّلُهما حاجبا إيّاهما والذي يريد أن يُدمجهما بإخضاعهما، ولكن دون أن يتوصّل إلى كتمان أنفاسهما في لُبّ خطابه ذاته.
بإمكان القارئ أن يعاين أنّ المؤلِّف، لم يتقيّد بأصداء الأسطورة القرآنية لـ "إرم ذات العماد"، بل جعل منظوره يذهب إلى أبعد مستحضرا ما قدّمته مختلف الكتابات الإسلاميّة للقرون اللاّحقة أو فسّرته بخصوص الأسطورة القديمة.
دراسة في غاية الدّقة والرّقة، فيها كثير من الصياغات السعيدة، وكثير من الأسئلة التي تذهب إلى أبعد من التحليل الأدبي، ويطرح جمال الدين بن الشيخ تساؤلات لم يرد أن يحسمها على نحو قاطع ما عدا بروز مُعاينة نهائية كان كل شيء قد أَعدّ لظهورها.
إثر الدراسات المتعلّقة تحديدا بالنصوص والمواضيع القرآنية، يدرس هذا العدد ميدانين من ميادين البحث : ميدان تفسير القرآن في بداياته [كلود جيليو Claude Gilliot]، وميدان الحديث والسيرة [أ.- ل. دو بريمارA.-L. de Prémare].
انطلاقا من النصّ القرآنيّ إلى تفسيره، يكون انطباعنا العفويّ المُسبق أنّنا ننتقل من زمن إلى آخر : زمن القرآن، ثمّ بعد ذلك زمن تفسيره، كما هو حال التفاسير الكلاسيكيّة المعروفة التي تُميّز بين النّص المُنزّل وبين كلّ من يُحاول تفسيره. هذا التصوّر ربّما كان نتيجة إسقاط، على "البدايات"، لزمن متأخّر جدّا. وهذا على الأقلّ، كما يبدو لي، الاستنتاج الذي تقدّمه دراسة كلود جيليو (8).
فعلا، التمييز الذي يقوم به هذا الأخير بين تفسير – شرح من ناحية، وتفسير – مؤلَّف مكتوب من ناحية أخرى، هامّ ومُوفّق جدّا. هذا التمييز يُلقي أضواء كافية على بقيّة الدراسة بصدد نقاط شتّى التي يُدعى القارئ لاكتشافها خاصّة حيرة "تقليد حيّ" بين عدّة أنماط للتّفسير وبالذّات في وقت لا يزال فيه النّص نفسه على الأرجح غير مُكتمل.
هذه اللّمحة التاريخية تمتاز بثراء تاريخي كبير. فهي تسمح لنا في كلّ الأحوال أن نُدرك أفضل، أو على الأقل أن نتساءل، عمّا كان باستطاعته أن يكون، بخصوص النصوص الدينية الإسلامية الأولى، الانتشار التدريجي لتقليد ثقافي، حيث النص الأساسي الذي كان بصدد التحضير، لم يكن يستطيع هو نفسه اتّخاذ بُعده النهائي إلا بفضل أولئك الذين يقدّمون له تبريراته من خلال تفسيره. إذن الأمر يتعلّق بفترة ديناميكية، ولكن يصعب جدّا حصرها بسبب نُدرة الوثائق التي ثبتت صحّتها مقابل غزارة الأخبار المتأخِّرة والمشكوك فيها غالبا. خلال هذا الدغل الذي استطاع بكلّ حذر أن يرسم لنا فيه طريقا، يقودنا كلود جيليو إلى "لحظة الإسلام الإمبراطوريّة Le moment impérial" تلك حين يُكلّف الخليفة المنصور، ابن إسحاق : "أن يجمع المواد الأخبارية المتفرّقة والمتنافرة وأن يؤلِّف منها تاريخا للعالم ابتداء من آدم إلى بني العبّاس".
بالفعل، يلتقي عند ابن إسحاق الحديث والسيرة، التي هي شكل من التاريخ المنظَّم للحديث، وأخيرا تفسير الرواية على صورة "أسباب النزول".
لتعريف القارئ بهذه النمط الثلاثي في الكتابة والمُجمّع في نمط واحد، ليس هناك من وسيلة أفضل من دعوته إلى الغوص في نصّ أو بالأحرى في نصوص تعالج نصّا. ذاك هو هدف دراسة أ.- ل. دو بريمار(9) التي، انطلاقا من قصّة ذات مغزى لابن إسحاق في سيرة ابن هشام، ننتقل فيها من خبر إلى آخر وحتّى خارج التراث الإسلامي : تُجاه القصّة الإسلاميّة المتعدّدة الأشكال عن الزّانييْن المحصنين اليهوديين، تقتفي الدراسة أثر تاريخ القصّة الإنجيليّة المُسمّاة "قصّة المرأة الزانية"، وذلك بقدر ما نستطيع التعرّف عليها في بعض صيَغِها داخل المصادر المسيحيّة القديمة.
فعلا، الجدل حول حدّ الزنا (جلد أم رجم ؟) يُعطي لابن إسحاق كما رواه ابن هشام فرصة لإجراء تحرير أدبي جدير بجلب الإنتباه : تحرير ابن إسحاق لقصّة الزانيين يرمي إلى تنزيل  المسلمين وتمييزهم عن اليهود والنصارى أكثر بكثير ممّا يرمي إلى معالجة مشكلة الزنا مأخوذة في حدّ ذاتها. وهو يفعل ذلك بكل صراحة بصدد اليهود، ولكن بتلميح أكثر، ولكن لا يقلّ واقعية، بصدد النصارى. لذا فإنّ التحليل يُعطي مجالا أكبر لقراءة مقارنة.
فالمقارنة تسمح لنا، انطلاقا من الموقف الذي يختاره مُؤسِّس دين أن نحدّد، عند جميع الأطراف، كيف تنتظم وتتنوّع الطريقة التي تُروى بها الواقعة التي سبّبت ذلك الموقف وبالتالي كيف فُهمت؛ وماذا يريد المؤلِّف أو المؤلّفون من وراء كل خبر من الأخبار أن يستنتج منها في سياقه الخاص به. هذه المقارنة لا تعدم فائدة فيما يخص استمراريّة بعض بُنى التحرير الأدبي من مجال ديني إلى آخر.
كما هي، هذه الإضمامة الصغيرة، والتي تبقى محدودة، لا تدّعي أكثر من الإسهام في تفكير معمّق حول ميدان طالما دُرس، بالرغم من أنّه ما فتئ يشكّل موضوع كتابات هي أيضا غالبا مختلفة من حيث إشكاليات كل واحدة منها وكما يمكنها أن تكون مختلفة أيضا على مستوى استنتاجاتها. كلّ هؤلاء الكتّاب احتفظوا بكامل حريّة توجهاتهم وأقوالهم، دون أن يُخضَعوا لأيّ توجيه عامّ. وكذلك الشأن بالنّسبة للعرض الشامل الذي كنت بصدد تقديمه عن هذه المقالات فهو يُشكّل انطباعي الخاص وتساؤلاتي الشخصيّة أمام النصوص التي أرسلها كلّ واحد منهم، وهي لا تلزمني إلاّ أنا. على الأقل أكون قد حاولت أن أسهّل على القارئ العثور عن الخيط الناظم الذي يربط هذه المقالات بعضها ببعض داخل الموضوع المشترك وفي الإطار الذي حُرّرت فيه وتحت العناوين التي أُعطيت لها.
ألفريد – لويس دو بريمار
أكمل القراءه

استيبلا( نجمة الصباح).. شهادة الوطن الجريح.. أسكن الحقائب وأمر بالمطارات بين وطنيين مازالا في قلبي وطنا واحداً

نشرت يوم 24 فبراير 2014


التغيير: خاص

" دعوني استعين بشعر امل دنقل عندما قال : مصفوفة حقائبي على رفوف الذاكرة ، لو بالامكان اعادة تعريف تلك الرقعة الجغرافيا التي بها عدد من المجتمعات بينهم روابط مشتركة ، هل هذا هو الوطن ؟ وطني الان عدة رقعات من الارض يسكنها عدد من السكان بينهم روابط مشتركة ولكن بعضهم ينكرونها لا يحبون اظهارها ،

الوطن عندي فراغ في الذاكرة ملئ بالحروب والنزوح والتشرد ، قتل ودمار ، قذائف وطائرات تحصد الموتى دون كلل ، دماء وكلاب وصقور تاكل الجثث ، رعب وجوع وقبور جماعية ، مخيمات ولجوء ، وطني جيفة يتكالب عليها المنظمات الانسانية والاممية ، يطأ اراضيها جنود غرباء بعدة الوان من القبعات ، حمراء وزرقاء وخضراء ولا يتحدثون لغاتنا ، وطني قتال دائم بين الاخوة تحت داعوي عديدة مرة باسم الدين واخرى باسم الهوية تتعدد الاسماء والحرب واحدة ، هذا هو وطني كان ومايزال ، كيف ان يقيم الانسان في وطنه وحقائبه معدة للرحيل ، منذ الانفصال وانا اسكن الحقائب وامر بالمطارات عدة مرات في السنة بين وطنيين مازالا في قلبي وطنا واحداً ، وطن احن اليه وآخر اتعرف عليه لاكسر حاجز الغربة بيني وبينه ، الوطن عندي هو حب من اتجاه واحد ، والوطن عندي حلم بعيد المنال" تلك كانت شهادة قدمتها الكاتبة المبدعة استيلا قايتانو و كتبتها بحروف من الألم، والدموع حول واقعنا الحالي خلال مشاركتها في مراسيم جائرة الأديب العالمي الطيب صالح، في الخرطوم الأسبوع الماضي، وخصت استيلا " التغيير" بشهادتها التي بثتها بعض القنوات التلفزيونية مباشرةً بعد أن شدت أنفاس الحضور بكلماتها الأنيقة وطلتها الجريئة، وسط تصفيق حار من الحضور من الأدباء والكتاب والضيوف ، وتحدثت استيلا خلال كلمتها الشهيرة أو شهادتها الجريئة التي نتشرف بنشرها" عن حياتها وميلادها في الخرطوم وكشفت أن اسمها يعني " نجمة الصباح" ، فيما تحدثت عن معاناة النزوح وصعاب النساء في المعسكرات وما يلاقينه من الشرطة خلال تواجدهن في الخرطوم، مثلما تحدتث عن سر تمسكها للكتابة باللغة العربية، وما واجهته أحياناً من تساؤلات من بعض المتحدثين باللغة الإنجليزية في جنوب السودان، وواصلت في شهادتها عن الوطن قائلةً " جرح لا يكف عن النزيف ، ياليتني كنت ممتلئة بتلك الطاقة الايجابية التي حشدت اهلي ذات يوم ليقفوا في صفوف الاستفتاء للتصويت للانفصال من اجل تحقيق حلم الوطن الذي كان يرادهم ويسعهم ويحسسهم بالتحرر ، يا ليتني كنت متسلحة بوعي يغبشه الكثير من الظلال والاكاذيب واللتضحيات ، ياليتني كنت مؤمنة بان خوض الحروب هي الطريق الاقصر لقول لا ! ثم ناتي ونجلس بعد كم هائل من الخسائر والهزائم ونفاوض تحت الضغوط الدولية والاقليمية ، كم هي مرهقة اديس ابابا بانهياراتنا التفاوضية . لقد تحرر قومي من الشمال ولكن مازال البعض منهم عاجزون عن تحرير انفسهم من عيوبهم والتي كانت متدثرة تحت جلباب الشمال ، وكان الشمال يتحمل كل تلك الاوزار والاخفاقات والفشل وهناك من يتلذذون بذات المبررات حتى الان .. وطني شاهد على ان ابطال الامس قد يتحولون بين ليلة وضحاها الى مجرد اناس عاديين يستطيعون سرقة المال العام والخوض في الفساد والبزخ والترف خوض الحرب وقتل الالاف للحفاظ على الامتيازات بينما مازال الكثير ممن قيل لهم بالامس بان هذه الحرب من اجلهم وكل التضحيات الجسام في الارواح من اجل وطن ووضع افضل يسحقهم الجوع والمرض والجهل بينما تتبختر اغلى سيارات العالم في شوارع جوبا الخربة ، التقاء مدوي بين الحلم والحقيقة ، بين الواقع والمتوقع ، دائما هناك الف مبرر لخوض الحرب وبينما لا يستطعون ايجاد سببا واحدا لاستتباب الامن والسلام من اجل الغلابة"

تابع كلمة استيلا كاملةً في المقالات في المقالات

استيلا. شهادة للتاريخ و أقوال شاهد اثبات على محنة الوطن الجريح في الشمال والجنوب

استيلا قايتانو

سلام بقدر ما في هذه البلاد من جمال ، ورحمة بقدر ما في هذه البلاد من تعب ، وبركات بقدر ما في نفوس الناس من طيبة وسماحة .

اسمي استيلا قايتانو جنيشس .. اسمى يعني نجمة الصباح قال ابي عندما ولدت في فجر احدى الايام كانت هناك كوكبة تلمع في السماء حينها قال هذه استيلا وهو اسم ايطالي . اما هو ابي قايتانو اعتذر له لان الكثيرين ينطقون اسمه خطأ او حتى يكتب خطاء ولم يسلم حتى كتابي الاول من ذاك الخطاء .. ساعات اتحمس لتصحيحه وساعات اتركه .. على اية حال هو ليس اسمي . اما اسم جدي فهو الخطاء عينه وهو اكبر دليل على ان السودانيين لا يجيدون نطق اسمائهم ولا كتابتها ، فجنيشس هذا هو في الاصل جيمس ولان الكتبة الذين يجلسون في بوابات مكاتب الجوزات والهجرة في ذاك الوقت لم يركزوا مع ابي وكتبوا اسمه دون ان يسمعوه جيدا وتحول جيمس الى جنيشس ودمغ هذا الاسم في شهادات ميلادنا وشهاداتنا السودانية والجامعية ليصبح خطاء متعمد نرتكبه بدقة شديدة لان اي تغيير يعني التشكيك في كل اوراقنا الثبوتية .. حتى عندما عدنا للجنوب حملنا هذا الخطاء معنا كتذكار عصي على المحي من دولة السودان الام .

الميلاد والنشئة : ولدت ونشأت في الخرطوم بحري المزاد ، نشأت وترعرت في الحاج يوسف بالتحديد الوحدة سوق 6 ، عوالم الهامش والحاج يوسف يشبه الكثير من البيئات التي تطوق العاصمة القومية ، احياء احتضت النازحين بسبب الحروب او المتساقتون من ركب المدينة الصاروخي ، او لجاذبية المدن وتوفر الخدمات فيها .

جامعة الخرطوم : اشكر الصدفة التي ساقتني الى هذه الجامعة ، هناك درست الصيدلة وقابلت اعز الاصدقاء اصدقاء كالارض لا يخزلونك ابداً ، وتعثرت بالكتاب والشعراء والنقاد والسياسين والذين لهم الفضل ميلاد استيلا فشكراً جميلاً لهم .

الحالة الاجتماعية : متزوجة وام لطفلين وكتاب ومقالات ممتلئة بهذيانات مذبوحة .

الامنية : كنت اتمنى ان اصبح فتاة طويلة .. ولكن كانت صديقتي خنساء الطيب تقول لي دائما .. يعني هسي انتي مقصرة حكمتو بالغة .

.. اظننا نحن السودانيين نحب ان نعرف من اين ذاك الشخص بالضبط بحسن نية او سوءه ، لذا رغم تيه البعض في انتمائي وصعوبة تحديد مسقط رأسي بسبب قصر القامة وتوهان الملامح وفصاحة القلم واللسان الا كان يتم تقديمي بالكاتبة الجنوبية التي تكتب بالعربية كنت اغتاظ جدا ولكني وجدت بان هناك الكثير من المبدعين يتعاملون مع هذه الانتماءات البسيطة بغرض التعريف ليس الا لذا تصالحت مع الامر كما تصالح مبدعونا الذين ذكرتهم سابقاً تضيق انتمائهم في حين انهم يتمددون بطول قامتهم على ارض المليون ميل ومحنة يدخلون البيوتات الحزينة بدون استئذان ويحطمون السياجات ويملأون الساحات بالجمال يشتلون السماحة والفكرة والمحبة لخلق وجدان سليم .. لا بامر السلطات ولكن باملاء من انسانيتهم المتجاوزة للانتماءات الضيقة ، بما ان كان يتم تقديمي بـ ( الكاتبة الجنوبية التي تكتب بالعربية ) ولقد اصبح هذا واقع الان وحقيقة لا يمكن التحايل عليه كما السابق فالكتابة باللغة العربية قد ميزتني لان في تلك الفترة لم يكن من المألوف ان يكتب كاتب ينتمي الى جنوب السودان باللغة العربية ، اغلبهم يكتبون باللغة الانجليزية وفي غياب شبه تام للترجمة لم تنتشر اعمالهم في الجزء الشمالي من البلاد ، لذا حاولت ان اكتب باللغة التي يجيدها الاغلبية ، حتى يسهل التواصل بيني والاخرين ، صفة الكتابة بالعربية كما ادهش بعض الكتاب والنقاد هنا قد استفزت احد كتاب الانجليزية في الجنوب ، وذلك عندما زارنا وفد من جامعة ايوا الامريكية في جوبا وهم اساتذة يهتمون بالكتابة الابداعية لدرجة دراستها في الجامعات بعد ان عرفت نفسي اضفت باني اكتب بالعربية فقال لي احد كتاب الانجليزية الذي استفزه الامر وشعر باني مستلبة نحو العروبة : ماذا تريدين من هذه اللغة فهي ليست لغتك لتكتبي بها !؟ فقلت له اريد الشئ نفسه التي تنشده انت فانت تكتب بالانجليزية وهي ايضاً ليست لغتك ؟ اعتقد باننا الكتاب يجب الا نفكر بهذه الطريقة ولكن يبدو ان السياسة نفثت سمومها على الجميع لدرجة تورط بعض المثقفين لخدمة تلك لاجندة ، ولكن اثناء العشاء اقترب مني الروائي والشاعر البروفسيور تعبان لولينق ورمى هذه الكلمات في اذني : كوني كذلك الكاتبة الجنوبية الوحيدة التي تكتب بالعربية .. هذه ميزة ولا تتخلي عنها ابدا .
أكمل القراءه

نص قصصي " ما بين نعامة وأسد " : بقادي الحاج أحمد

بقادي الحاج أحمد بقادي الحاج أحمد
 


" في دمشق/ يواصل فعل المضارع/ أشغاله الأموية/ نمشى إلى غدنا واثقين/ من الشمس فى أمسنا/ نحن والأبدية سكان هذا البلد..".
محمود دريش

(1)        النعام
يعتبر طائر النعام أضخم طائر معاصر على وجه الكرة الأرضية و ينتمي لمجموعة الطيور التي لا تستطيع الطيران و لكنها مشهورة بسرعتها الفائقة فى الجري. سماه العرب بالطائر الجمل ، في النعام من خلقة الطير و الجمل نظراً لضخامة جسمه و طول عنقه وقدرته على العيش في المناطق الصحراوية وشبه الصحراويةً.
و له من صفات الطيور الريش و الجناحين و المنقار و البيض.  لذا سمي بالطير الجمل و تقول العرب ( مثل النعامة لا طير ولا جمل).
تدفن النعامة رأسها في الرمال بحثاً عن  أصوات خطوات المهاجمين من الأعداء، لتهرب في الأتجاه الذى يضمن سلامتها. انتقال الصوت في المواد الصلبة أسرع كثيراً من انتقاله في الهواء. فهى كطائر أكرر كطائر ذكي وجميل.
(2)        ملك الغاب
أشهر أسماء الأسد عند العرب:
أسامة والحارث وحيدرة والدواس والرئبال والسبع والصعب والضرغام والغضنفر والقسورة والليث والورد والهزبر، له اسماء كثير وهي تدل على شرف المسمى.
من كناه:
أبو الأبطال، أبو حمص، أبو الزعفران،، أبوشبل، أبو العباس، أبو الحارث ، أبولبدة، أبوفراس، أبو الأشبال.
(3)         الحيوان النبيل
قديماً كان الأسد ملك الغاب ذو شرف شجاع مقدام:
" إن وردن بجيك في أول الواردات// مرناً مو نشيطن إن قبلن شاردات// أسد بيشة المكربت قمزاتو مطابقات// يرضع في ضرايع العنز الفارزات..".
بنونة بنت المك نمر
 النعامة رغم سرعتها في الجري وذكائها وصفت بالجبن، وهي لا طير ولاجمل. والأسد هذا الحيوان النبيل خلدته الشاعرة السودانية ( بنونة) في أشعارها!!
(4)        السودان ..  سودانيين ..
كشفت ثورات الربيع العربي مؤخراً أن الجيوش التى تجيش وتدجج بالأسلحة من أجل حماية الوطن الغالي من الأعداء ، تلك التي تستعرض قوتها في ميادين وشوارع المدن أمام جموع الجماهير الكادحه ، التي يتصبب منها العرق ويسيل في هجير شمس الضحي، وهي تصفق وتهتف عالياً لحامي حمي الوطن المتبختر كالطاوؤس أمامها، هذا المشهد الآن ينقصة فقط ذلك الطفل الصغير الذي يصيح: شوفو رئيسنا (...).
هذه الجيوش والآليات الحربية تستغل بواسطة الأنظمة الفاسدة لحماية الكرسي المتهالك والآيل إلى السقوط... السلاح يوجه إلى الصدور العارية والأيدي العزل... كيف يستوي كرسى وما يحمل  من كرش  وتوابعها على وقوائم  أربعة من بنادق تحتاج إلى "السونكي - الخنجر" في المقدمة ليقوم بالمهمة التى تأخرت طويلاٌ.
·     ثورات الربيع العربي كشفت العورة ..
·     السودان بقي سودانين ،  ( أليس منكم رجل رشيد).

(5)        يا أهل الشام

يا شباب درعة
يا شباب جبل الزاوية
يا شباب حمص
ياشباب حماه
يا أهل الشام
(الجبل .. الجبل...).
(6)        الذئب .. الغنم
"يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم". عمر بن الخطاب
                          
بقادي الحاج أحمد
مدينة الخُبر يناير2013م
أكمل القراءه

باختصار.. الثورة زورق نور ونار بقلم : مصطفى منيغ


مصطفى منيغمصطفى منيغ
              
تتهاوى الأقنعة التي عمد البعض على تركها واجهة مزيفة لوجوههم الحقيقية التي توهم أصحابها أن تلك الأقنعة كفيلة بإبعاد الشكوك الحائمة حولهم منذ اندلاع الثورة السورية المباركة، لذا أدركتنا الواقعية التي برهنت في السابق كما هو الفعل الآن ،أن الزمن وحده متعهد بتصحيح الأحكام أكانت عادلة لمستحقيها أم اقتصرت على الظواهر البادية أمامها في توقيت معين وإمكانات البحث والتقصي جد محدودة . كل ثورة (مع تقادم قيامها للانتقال من مرحلة البداية إلى النضج قبل اكتمال مقوماتها بضبط أمورها بما يلزم من آليات تتطور مع اتساع انجازاتها لتطال كل المجالات التي اندلعت أصلا من أجل تصحيحها أو تنظيفها من وسخ نظام على وشك السقوط ،) تظل غير مستعدة للاستمرار في عملها النضالي/الجهادي دون التوقف بين الفينة والأخرى لتقييم ما ظهر خلفها من محاولات مهما كانت بسيطة لحسم الموقف اتجاهها بما يرضي لوازم المعركة المخاضة ضد عدو شرس لا يرحم أبدا . لقد انطلق المفيد ولن يتم حصره إلا بالوصول لما شمله التحديد.
 الثورة زورق نور ونار ، هدفها معروف كأدواتها، لكن الوسائل المعتمدة لديها وهي تنتقل من محطة صغيرة إلى أخرى أكبر ثم أخرى، ثم إلى الأكبر ، تبقى رهينة بحجم المستجدات على أرض الواقع وما ينص عليه إبداع التحرك الاستراتيجي الفوري المتجدد باستمرار، للتعامل وما تتطلبه المواجهة مع القوى الضاغطة من الطرف المقابل المعادي وحتمية أي معركة جانبية غير متحكم في حراكها من عدمه . ثورة لم تترك مع مرور الزمن أي شيء متعلق بالموضوع للفرصة المباغتة ، محتاطة وبكل هدوء من أي إجراء ينعكس حيالها سلبا أو إيجابا ، ومتى علمنا أن الثورة السورية أول ثورة تتوحد فيها  قوى عسكرية مع قوى مدنية يكونان مجدافي زورق النور والنار المخترق أمواج بحر هائج لا يرحم  الضعيف من أي اتجاه كان . لذا على السياسيين خارج البلد الأخذ بعين الاعتبار أن الثوار على وشك الانتصار ، اعتمدوا على الباري الحي القيوم ذي الجلال والإكرام ، وعلى أنفسهم وعلى أريحية خدام الحق ، بلا إشهار، ولا مؤتمرات ،ولا ضجيج، ولا خطب رنانة . ولو تمعنوا في التسلسل الحاصل  منذ صرخات خرج أصحابها منددين في شجاعة نادرة بالحكم الفاسد في سوريا  إلى هذه اللحظة التي يُسمع فيها سلطة القمع ألأسدي وهي تردد بقبولها الحوار حتى مع من حمل السلاح ضدها ، لوجدوا أن الثورة حققت الكثير الكثير الذي لا يمكن اختزاله في مقال أو مؤلف وحيد ، فعلى تلك المعارضة المكونة من رجال ونساء سوريين شرفاء ، المبعدين بعضهم كان ظلما وعدوانا وقمعا موجها لانتفاضتهم الروحية ضد نظام يعيشون ما يقوم به من اجرام فظيع شنيع استبقوا الجميع في التكهن إلى وقوعه فحصل بالفعل ، ما يفسر أنهم أخوة على قدر كبير من الفهم والإدراك والعلم والتجربة مع احتكاك مباشر بالعقليات داخل الدول التي استضافهم لسنين طويلة برهنوا أثناءها أن مصدرهم مصدر حضارة وتحضر ومن أراد التعمق في أصلهم الطيب فليراجع كتب تاريخ سوريا أو لهم شخصيا ولتصرفاتهم النقية المحترمة  ينظر ، أكانوا من الرجال أو النساء هذا الوصف موجه لهم على السواء .   
... سافروا إلى "روما" أومكثوا في "القاهرة" إلى موعد لاحق ، مع نشاط في دراسة إقامته دقيق، هم سوريا السياسة المستقبلية إن تماسكوا على عهد أن لا حوار ولا لقاء يحضره "الجزار"، احتراما للاف الشهداء الذين سقطوا من أجل سمو ورفعة سوريا "درة الشام"  وأن يقفوا موقف الثوار، الذين جهادهم في الداخل اقتصر ، على تنظيف سوريا الحرائر والأحرار، لتنعم (في غياب بشار) بالعدالة والأمن والنماء والاستقرار.
... لقد تيقنا أنهم على الطريق القويم اختاروا المسار ، والفضل عائد للتصريحات التي أدلى بها  وزير خارجية روسيا بعد لقاء جمعه ونظيره الأميركي ، مفادها أن تضغط أمريكا على المعارضة لتقبل بالجلوس على طاولة الحوار مع نظام بشار . وهذا تبيان صريح أن روسيا (التي تحولت للإشراف على "خارجية بشار" ساعات قليلة بعد مغادرة موسكو الأخ وليد المعلم "غير المتعلم " موفدا من رئيسه القابع داخل مكان محصن تحرسه عناصر  المخابرات الروسية على مدار الساعة ،لتبليغ قادة الكرملين أن الحالة وصلت درجة تستوجب التحرك الروسي السريع لاحتواء ولو جزء بسيط يساعد على إبقاء النظام فبل دخوله مرحلة الإختضار الأخير) لم تستطع التأثير على المعارضة السورية فعمدت لاستجداء الولايات المتحدة الأمريكية كي تقوم بدور الموجه الحازم لتنفذ المعارضة ذاك الطلب الغالي تحول بين عشية وضحاها ، الشيء الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، لتقف روسيا حيال ما تبنته على هواها ، عاجزة تمام العجز لجر تلك المعارضة الشريفة لإطالة عمر بشار نظاما وهيمنة .
                  الرباط : 27 فبراير 2013   
 
مصطفى منيغ
مدير نشر ورئيس تحرير جريدة الأمل المغربية
عضو المكتب السياسي لحزب الأمل
صندوق بريد رقم 4613  / الصخيرات / المغرب
البريد الإلكتروني :mounirh45@yahoo.es
أكمل القراءه

حول رواية فركة للكاتب الأساذ طه جعفر/ د. النور نادر النور



لا أزعم أني ملمٌ بالنقد الروائي، بل أني لم أقرأ فيه كتاباً واحداً، إذ لم يستهويني البتة. أرى أن معظم النقاد أرادوا أن يكونوا مبدعين، فلما أعياهم ذلك تحولوا إلى نقد الإبداع بدافعٍ من العجز حيناً، و من الحسد حيناً آخر، و من الغيظ أحايين أكثر. أيضاً، هذه الرواية فازت بجائزة الطيب صالح، بعد أن خضعت لتحكيمٍ من قِبَلِ مختصين في النقد الروائي، و لذك تأتي أي قراءة فنية من غير المختصين، أمثالي، في غير موضعها.
في هذه المقالة، أود الخوض في حيثيات ندوةٍ أعتدنا تنظيمها كل أسبوعين بدار الجالية السودانية بتورونتو بكندا. كان موضوع ندوة الأمس هو كتاب فركة للكاتب طه جعفر. بما أني لا أقدم نقداً فنياً للرواية لعدم معرفتي بأساسيات و أساليب النقد الأدبي، فلا أرى حرجاً أن أكتب بعض انطباعاتي عن الندوة و موضوعها.
في البدء أشير إلى أنني قد قرأت الرواية، و قد شدتني لدرجة أنني لم استطع تركها إلا بعد ان فرغت منها تماماً. شدني في الرواية أحتواؤها على معلومات و معارف كثيفة لدرجة أنها أثقلت الرواية، و جعلتها أقرب إلى العمل التثقيفي منها إلى العمل الفني. أحاط الكاتب بكل موضوعات روايته، فوصف و شرح مفرداته للقارئ لعلمه بجهل معظم السودانيين لمعانيها، و إن ألِفوها سماعاً دون تفكرٍ فيها. بالرواية وصفُ دقيقُ لمدن ذلك الزمان كشندي حاضرة المك، حتى ليخال إليك أنَك تتمشى بين شوارعها، و تتسوق من دكاكينها. كذلك، هناك وصفُ دقيق لأزياء الرجال و النساء في تلك الحقبة، و أنواع الأطعمة و الأشربة و الأغاني، و غيرها، و وصفٌ أكثر دقةً لقرى جبال النوبة و معتقداتهم و كل صور حياتهم.
في رأيئ، أضعف الندوة عدم قراءة معظم الحاضرين للرواية، و لذلك انصرفت مداخلاتهم لموضوع الكتاب و هو الرق في السودان. بدأ الأستاذ عدنان زاهر المداخلات بقوله أن ما يضعف من جودة الرواية اعتمادها أسلوب السرد المباشر، و رد عليه الكاتب بأنه يحق له اختيار أسلوب الكتابة الذي يعجبه، و أن هناك روائيين عالميين يتبنون هذا الأسلوب.
أرى أن الكاتب لم يوفق في الرد على هذه النقطة، و اعتقد أنه كان سيكون أكثر توفيقاً لو قال إن أسلوب السرد المباشر باستخدام لسان الراوي يناسب أحد أهداف الرواية، و هو إحداث صدمة للقارئ للإحساس بمدى بشاعة عملية الرق و ما يرافقها من اضطهاد و انتهاك لإنسانية الرقيق. أيضاً، الأسلوب المباشر أقرب للكاتب الذي يجتهد في تعريف الآخرين بشخصه بشفافيةٍ نادرة. فهو يتحدث كثيراً عن شربه الخمر و حبه لها ليقول لمستمعه أنه إذا لم يخجل من الفعل، فلن يخجل من التكلم عنه، بل يسره أن يعلم الناس أنه يفعله، و هذا الأمر لا يروق الكثيرين. لا يمتنع معظم الناس عن فعل ما هو شائن في عرف و نظر المجتمع، و لكن يغضبون و يثورون إذا عرف الناس ذلك عنهم، و هو نوع من النفاق الاجتماعي الذي يقبله عامة الناس.
سألت الكاتب عن خلو الرواية من التحليل النفسي العميق، و أنا أعلم أنها ليست كذلك، و إنما أردت إعطاءه الفرصة ليبين لمن لم يقرأها بعض جوانبها. أجابني، بغضب و حدة أدهشت معظم الحضور، بأن هذا هو إنتاجه، و أن على الآخرين إبراز إنتاجهم الخاص. أعتقد، أيضاً، أنه لم يوفق في الإجابة. كنت أعتقد أنه سيقول إن الرواية مليئةٌ بالمقارنات المباشرة و غير المباشرة ذات الإيحاءات النفسية، و أنَه أراد إظهار التناقض بين الأسياد و الرقيق. فمثلاً، عند موت تية، إبن عم فركة، تركوه دون دفن أو مراعاةٍ لحرمة الميت، و لكن حين قتل الثعبان حارسين من حراس القافلة، فقد صلوا عليهما و قبروهم بما يليق من إكرامٍ و إطراقٍ. كذلك المقارنة بين أزياء الرقيق و الأسياد، حيث أسهب في وصف أزياء الحرائر و مدى احتشامها و سترها لصون الحرة من نظر المتطفلين، ثمَ أبان أنَ الرقيق يلبسن الرحط فقط، و هو مجموعة سيور جلدية رقيقة تتدلى من وسط الفتاة، بحيث تكون الفتاة المسترقة مباحةً للناظرين، ثم تحدثه عن تسمية الرقيق نساءً و رجالاً بأسماء حاطةٍ للقدر حتى يتعود الرقيق على الذل و تموت لديهم النخوة و عزة النفس. هذان الشيئان، أعني نوعية الملابس و الأسماء، يهدفان إلى كسر نفس الرقيق، فلا يفكرون في الثورة على أسيادهم، بل، يكونون أكثر ولاءٍ لهم من أولادهم، و لذلك فما يلقاه العبد الآبق من العذاب على يد الرقيق أشد و أنكى مما يلقاه من سيده نفسه، و إذا مات أحد الأسياد، يندبنه رقيقه و رقيق جيرانه أكثر من أمه و زوجه أو أخته. يبدو هذا جلياً في وفاة حسان بن المك، الذي كان خامل الذكر و الهمة، و مات و الأمجاد المنتظرة منه لم تتم، بل لم تبدأ أصلاً. بالرغم من ذلك، بكاه رقيق أمه و أبيه، فكن يندبن و يتحسرن على موت الرجل الذي ألهب ظهورهن بسياطه، و انتهك أجسادهن بسادية و غلظة تركت أثاراً باقيةً على أرواحهن و أجسامهن المثقلات بأعباء الخدمة ليلَ نهار. أيضاً، الإشارة إلى العلاقة بين نوبة الجبال و نوبة الشمال حين رأت فركة رسوماً على الأهرامات تشبه تلك الموشومة على كتف أبيها و رجال قبيلتها، ثم القارنة بين طيبة فركة و قومها، الذين وثقوا بالغريب الذي لم يأتهم منه غير الشر، و بين خبث و مكر و سؤ أخلاق النَهاضة، و هم صائدوا الرقيق، و اغلبهم من العرب.
كذلك كان يمكن للكاتب لفت النظر إلى إسهابه في وصف الأنادي و العاملات بها، و الخدمات التي تقدم لزائريها من طعام و شراب و جنس و ترفيه، و أهم من ذلك أن هذه الأنادي يملكها علية القوم كالمك و وزراؤه، و أنَ الرقيق يستخدمن فيها كمورد اقتصادي، ليس إلا. بهذا، أراد الكاتب أن يعرف القارئ بأن قنص الرقيق و بيعه و استخدامه كان أمراً فاشياً في المجتمع لدرجة أن الناس ألِفوه، فلم يعودوا يتحرجون أو يتأثمون منه. جاء ذلك في وصفه للزاكي و عوض الكريم، فعلى الرغم من وحشيتهما في قنص الرقيق و قتل من يعترضهما، إلا أنهما يصليان الصلاة لوقتها، و يعرفان كيفية تجهيز الميت و الصلاة عليه و قبره. كذلك، أبان أن الكل شارك فيه، فالنهاضة عرب، و حراسهم من دارفور و كردفان، و أصحاب زرائب الرقيق و ملاك الأنادي من كل بقاع السودان، حتى أنك لتجد في شندي تاجراً من شرق السودان! ضمن هذا الإطار، احتفى الكاتب بنوبة الجبال، فوصف صدقهم و كرمهم و نخوتهم، كما أشار إلى معتقداته في الأسبار و الكجور و قوى ما وراء الطبيعة التي يتمتعون بها، و بساطة حياتهم و بعدها عن الزيف، و احتفالاتهم بكل مناسبةٍ تمر بهم، كالزراعة و الحصاد و الزواج و الموت و غير ذلك، و كأنه أراد أن يشير إلى خواء حياة العرب و انغماسها في الترف المادي و تمحورها حول الزيف و الإدعاء. فالمك رغم هيبته و جلاله، يرغب في فتاةٍ من رقيقه، اشتراها بما يجمعه من الأنادي التي يكسب له فيهن رقيق مثلها.
أيضاً، سألته عن حقيقة أنه باختياره لموضوع الرق نكأ جراحاً لم تندمل قط دون أن يقدم حلولاً لها، فأجاب بأنه لا يحق للقارئ إملاء رأيه على الكاتب، و بالطبع ما أردت ذلك. توقعت بأن يجيبني بأنه لم يقدم لها الحلول لأنه يريد للمجتمع أن يحلها بنفسه عبر التصالح و الاعتراف بمرارات الماضي و الإعتذار عنها، و أنه ختم الرواية بدون ذكر حلٍ لها ليشير إلى أن المشكلة ما تزال حاضرةً و بارزة للعيان.
يمكن أن لا تكون للعمل الفني غايةً غير الإبداع، و لكن تزيد قيمته و يخلد عندما يضيف للهدف الإبداعي اهدافاً أخرى كالإصلاح الاجتماعي، و هو ما يحاوله الأستاذ طه جعفر عبر انتقائه لمواضيع رواياته. للقيام بذلك، أرى أنه يلزم الكاتب أن يكون واسع الصدر صبوراً، فلعمري، ما نجح مصلحٌ إلا بصبره على قومه. أيضاً، أرى أنَ الأستاذ طه جعفر ينفق وقتاً كثيراً في الكتابة في سودانيز أون لاين، و إني على يقين من أنه لو وجه هذا الجهد للرواية لأبدع و أجاد أكثر، و ليته يفعل.
أختم هذه الانطباعات باعتذاري للكاتب إن فهم قصدي بغير ما أردت، و يحق له ذلك و لا تأثيم عليَ، فنحن لا نحتفي بمبدعينا إلا بعد أن يحتفي بهم الآخرون، أو بعد وفاتهم، و إن شاء الله يوم شكرك يا طه ما يجئ.
د. النور نادر النور
أكمل القراءه

صدور رواية "أعشقني" لسناء الشعلان


سناء الشعلانسناء الشعلان

    عن مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع صدرت رواية "أعشقني" للأديبة الأردنية سناء الشعلان.وهي الرواية الفائزة بجائزة دبي الثقافية للإبداع للعام 2010/2011 في دورتها السابعة .وتقع الرّواية في 234 صفحة من القطع الصّغير،وتتكوّن من 8 فصول.
   والرواية امتداد لروايات الخيال العلمي عبر توليفة سردّية روائية رومانسيّة،وباختصار نستطيع أن نلخّص فكرة الرواية في كلمة بطلتها في البداية حيث تقول:" وحدهم أصحاب القلوب العاشقة من يدركون حقيقة وجود بُعد خامس ينتظم هذا الكون العملاق،أنا لستُ ضدّ أبعاد الطّول والعرض والارتفاع والزّمان،ولستُ معنية بتفكيك نظرية إينشتاين العملاقة التي يدركها ،ويفهمها  جيداً حتى أكثر الطلبة تواضعاً في الذّكاء والاجتهاد في أيّ مدرسة من مدارس هذا الكوكب الصّغير،ولكنّني أعلم علم اليقين والمؤمنين والعالمين والعارفين والدارين  وورثة المتصوّفة والعشّاق المنقرضين منذ آلاف السّنين أنّ الحبّ هو البُعد الخامس الأهم في تشكيل معالم وجودنا،وحده الحبّ هو الكفيل بإحياء هذا الموات،وبعث الجمال في هذا الخراب الإلكتروني البشع،وحده القادر على خلق عالم جديد يعرف معنى نبض قلب،وفلسفة انعتاق لحظة،أنا كافرة بكلّ الأبعاد خلا هذا البعد الخامس الجميل".
   فهذه الرّواية تقدّم مساحات النّفس الإنسانيّة بما فيها من معضلات فكريّة ونفسيّة وجسديّة عبر منظور زمني عامودي يخترق أكثر من ألفي عام من تاريخ الحضارة الإنسانية،حتى النفاذ إلى ألف عام أخرى مستقبليّة مفترضة حيث عام 3000 ميلادي عبر توليفة استشرافيّة فنتازية لما قد يكون عليه مستقبل البشريّة في ضوء معطياتها الحاضرة،وانطلاقاً من أزماتها الرّاهنة في إزاء خيال علمي يعد بالكثير من التقدّم على المستوى التقني،في حين يظلّ عاجزاً عن الارتقاء بإنسانية الإنسان،وقاصراً عن السّمو بقلبه وعقله،ليظلّ هو الآخر حبيس أزمات الإنسان ومعضلاته وأفكاره وأسئلته الكبرى.
  هذه الرّواية تهجر التّخوم لتدخل إلى عوالم الأسئلة الكبرى عند الإنسان،مثل:الموت والحياة والسّعادة والخلق والقوة والعلم والجنس والعشق والدّين والرّب والسّلطة والثّورة والنّصر والهزيمة والفرد والجماعة،وتحاول أن تقدّم تجربة عشقيّة هاربة من عالم المادي التقني المفترض في المستقبل في ضوء الخيال العلمي،لتقدّم تجربة طوبائيّة للعشق والجنس والخلود والامتداد البشري.
 وهي بذلك تهزأ من تشيء الإنسان في الوقت الحاضر،وتقدّم نبوءة متشائمة لمستقبل البشرية إن أصرّت  الإنسانيّة على ما هي عليه من فرقة وقسوة وحروب ووحشيّة وانتهازيّة ودمار؛فترسم عوالم مستقبلية في جغرافيّة كونيّة هائلة تمتدّ إلى كلّ كواكب درب التبّانة،وتشمل البشريّة جمعاء في مشهد بشريّ مأزوم في مستقبل يدين للآلة والبراغماتيّة والعلم المقطوع عن الإنسانيّة وعن السّماء،ويحوّل الإنسان إلى رقم كونيّ مفرغ من الأمل والمشاعر والذّاتيّة بل ومن السّعادة.
  وفي هذا الفراغ الرّوحي القبيح حيث لا جسد بمعناه التفاعليّ،ولا أسماء،ولا أحلام،ولا ذاتية،ولا أوطان،ولادين،ولا أمل،ولا جمال يولد العشق بين القاتل والمقتول،ويجد بطل الرواية نفسه سجيناً في جسد اغتاله ضمن توليفة سرديّة تقوم على افتراض نقل دماغ الإنسان من جسد إلى آخر في المستقبل القريب،ثم يجد نفسه حاملاً بطفل الجسد الذي يسكنه،وهنا تبدأ رحلته مع نفسه،ومع جسده الجديد،ومع جنينه،ومع أسئلته الكبرى،ليجد في النّهاية كلّ الإجابات عن أسئلته المعلّقة التي تقهر وجوده المستلب في عالم المستقبل المفترض،فيقع في عشق جسده الذي كان في يوم ما هو جسد المرأة التي اغتالها بعد أن يعرفها عبر دفتر يومياتها،ويؤمن مثلها بالعشق،ويهجر الإلحاد حيث الإيمان بالرّب،ويؤمن من جديد بإنسانيته وبحق البشريّة في فرصة أخيرة في الحياة والسّعادة والعشق،ويعشقها بكلّ عمق وصدق،ويقرّر أن يبدأ حياة جديدة بجسده الأنثويّ الذي يضمّ رجولته العاشقة لتلك المرأة التي تركت جنينها في جسدهما.
  وينتصر خيار الحياة والعشق في نهاية الرّواية،ويقرّر بطل الرّواية أن يحتفظ بالجنين،وأن يلده عندما يحين وقت ذلك ليهرب به إلى كوكب آخر،ويبدأ به جيلاً آخر من البشرية يكون حاملاً للواء المحبة والإخاء والعدل والمساواة بعيداً عن ظلم البشرية،وسيرها في طريق الهلاك الحتمي.
  هذه الرّواية هي انتصار العشق والحياة على الموت والفناء،إنّها دعوة مفتوحة لبدايات جديدة،وآفاق أرحب،وفرص أخيرة... إنّها خيار السّعادة لمن أرادها بحق بعيداً عن المادة الباردة الموغلة في العزلة.
    وعن سبب اختيار الشعلان للكتابة في جنس الأدب الروائي القائم على الخيال العلمي تقول:" الخيالُ العلميُّ يفتح شرفة ثلاثيّة الأبعاد على مستقبل التّقدّم المعرفي،وممكن الإنسان المحتمل الحدوث في محدّدات زمانيّة ومكانيّة ومعرفيّة قادمة ضمن سيرورة التقدّم العامودي والأفقي في مدارج الحضارة،وشكل الرّوايةّ التّقليديّ في ضوء سلطات معرفيّة جديدة تَعِد بأن تقدّم معطيات حداثيّة للشّكل الحكائيّ السّردي بما يتناسب مع أيدولوجيات الطّرح المختلف،ومعطيات العوالم المقترحة،والإمكانيّات المشروطة،بما يتناسب مع فرضيات كاتب الخيال العلمي ،ومع نظرياته،ورؤاه المستقبليّة.
      ومن هذه الشّرفة الثلاثيّة العريضة التي يقدّمها هذا الأدب،نستطيع القول إنّ الخيال العلمي تجربة رياديّة خاصة في كتابة المستقبل بالارتكاز على دراسة علميّة دقيقة لمعطيات الواقع المعرفيّ،وأفق نمائه وامتداده في ضوء إمكانياته واحتمالاته وحاجاته،وبخلاف ذلك تصبح تجربة كتابة الخيال العلمي هي مجرّد شطحات فانتازيّة مغرقة في الشّطط،لا تساعد في أن تقوم بدورها التنويريّ والتحريضيّ في تقديم صيغ معرفيّة جديدة في ضوء منتاجات معرفيّة حاليّة حقيقيّة الوجود،والتّماهي في تشكيل صورة الوجود الإنسانيّ على كوكب الأرض".
أكمل القراءه

ياسين بقوش.. اغتيال ذاكرة من الفرح



لم يكن "ياسين بقوش" واحدا من نجوم الصف الأول في أشهر مسلسلات الكوميديا السورية في سبعينيات القرن الماضي، لكنه وكما كان نجما شعبيا بسيطا في دوره الشهير "ياسينو" في مسلسلي "صح النوم" و"ملح وسكر"، ظل قريبا من الشعبيين والبسطاء الذي انحاز لهم، وقضى كما كثير منهم، بقذيفة غادرة في سوريا اليوم.
هكذا ختم ياسين الحياة قريبا من فندق "صح النوم" بموت تراجيدي لا يصلح أبدا خاتمة لا لمسلسل كوميدي ولا للفرح الذي أشاعه بين طيبين مثله، هكذا كانت نهايته بقذيفة "آر بي جي" في حي العسالي بدمشق.
ظل بقوش بسيطا طيلة حياته الفنية لدرجة أنه لم يغير اسمه ممثلا، وبقي "ياسينو" على خشبات المسارح وفي أدواره الدرامية، كما في الحياة ساذجا وطيبا.
حمل معه اسمه الحقيقي أمام الكاميرا وخلفها، ولم يشكل عبئا عليه لدى مناداة المعجبين به يقول في حوار أجري معه "شخصية ياسينو لم تزعجني، بل حمتني من الغوغاء الذين إذا نادوني في الشارع بياسينو فلن أغضب، فهذا اسمي، وشخصية ياسينو محببة لدى الجمهور".
يعود نسب بقوش المولود عام 1938 إلى ليبيا، فجده من هناك، لكنه مرض في رحلة الحج، وتركه رفاقه هناك حيث قدم بعدها دمشق وبقي فيها ولم يتابع السفر بسبب وعثائه، وكانت وسيلة النقل هي الدواب والجمال فتزوج من الشام وأنجب والد ياسينو.
 مشهد رحيل ياسين بقوش سيحفر كثيرا في ذاكرة جيل بأكمله أضحكه الفنان الراحل كثيرا وسيبكيه كثيرا أيضا للنهاية المأساوية التي انتهى إليها
الرحيل الموجع
وكان التلفزيون صلة وصله بعائلته الليبية، حيث شاهدته عمته شقيقة أبيه من زوجة جده الليبية وراسلته، فاجتمع شمل العائلة في الشام عام 1976، وعرف "ياسينو" بعدها أنه من قرية زوارة الحدودية بين ليبيا وتونس.
قدم في مسيرته الفنية العديد من الأعمال الدرامية، بيد أن أشهرها كان مع دريد لحام ونهاد قلعي ورفيق سبيعي وناجي جبر وغيرهم في "صح النوم"، وإلى جانب هذا العمل قدم أيضا عددا من الأعمال السينمائية.
وفي سني حياته الأخيرة قدم عددا من الأعمال الكوميدية والتاريخية، بينها "سيف بن ذي يزن"، الذي جسد فيه دور حاخام يهودي. كما مثل اسمه إغراء للمنتجين لتقديم أعمال تحمل اسمه، فقدم أعمال "ياسين تورز" و"ياسين في المطبخ".
قضى بقوش بقذيفة مجنونة انهالت على سيارته لتزهق روحا مرحة منحت البسمة الجميلة لأكثر من ثلاثة عقود، وتغتال ذاكرة من الفن والفرح، وقالت الفنانة لويز عبد الكريم إن الفنان ياسين بقوش "جزء من ذاكرة الفن السوري والعربي"، وتساءلت عن موقف الفنان دريد لحام من مقتل صديقه وشريكه بقوش، ومن قصف النظام لمناطق مدنية في سوريا.
عامان وأكثر مرا على ثورة سوريا قضى فيها عشرات الآلاف، وبثت صور موجعة لشهدائها، بيد أن مشهد رحيل ياسين بقوش سيحفر كثيرا في ذاكرة جيل بأكمله أضحكه الفنان الراحل كثيرا وسيبكيه كثيرا أيضا للنهاية المأساوية التي انتهى إليها فنان جاور في سيرته بين إضحاك محبيه وإبكائهم.
أكمل القراءه

عن جائزة الطيب صالح العالمية



 
كنت قد تلقيت في العام الماضي اتصالات عديدة، من صحفيين وأيضا من الأصدقاء المهتمين بالشأن الكتابي، تسألني عن رأيي صراحة في جائزة الطيب صالح الدولية أو العالمية كما يطلق عليها في السودان، والتي أطلقتها شركة للاتصالات مباشرة بعد رحيل الطيب صالح.
خصص للجائزة احتفال سنوي في ذكراه، ورصدت جوائز جيدة في فروع الإبداع المختلفة، مثل القصة والرواية والنقد والترجمة، واختتمت احتفاليتها الرابعة منذ أيام في الخرطوم، بحضور عربي كبير، وتتويج للفائزين بها هذا العام.
كانت تلك الأسئلة في معظمها منصبة على أهمية تلك الجائزة من عدمها، وهل هي حقا جائزة نزيهة ستنحاز بكيانها إلى الإبداع فقط، أم ستسعى لاقتناص الأسماء الكبيرة في مجالات الكتابة المختلفة من أجل ترسيخ نفسها في حقل الجوائز الأدبية العربية، التي تعددت وتشعبت في السنوات الأخيرة؟
هذه الأسئلة التشكيكية في الجائزة وفي جوائز أخرى استحدثت أخيرا في الوطن العربي من أجل الإبداع تبدو في مجملها غير عادلة، وقد قلت كثيرا في أماكن عدة إن أي جائزة عربية هي في النهاية مكسب للثقافة، سواء حصل عليها مبدع كبير أو صغير، وإن أي التفاتة للمبدعين من أي جهة تدعو للاحترام.
الجائزة تكريم حقيقي لذكرى الطيب صالح، وما حصل الطيب في حياته على جائزة مادية ذات قيمة قط.. كانت جائزته هي حب الناس لإبداعه وانتشاره، وتأهله لأن يخلد في جائزة كبرى تمنح للأجيال من بعده
وقد ظلت الكتابة العربية لسنوات طويلة بعيدة عن أي احتفاء، لا جائزة ولا تكريم لمبدع في حياته، ولا اهتمام من أي جهة، بعكس الرياضة وكرة القدم بالتحديد، التي يحتفى بها في كل وقت وأي مكان، وتخصص لها ميداليات وجوائز بملايين الدولارات.
لم تكن المؤسسات العربية الداعمة لتلك الجوائز الثقافية مجبرة حين أنشأتها، وتصرف على فعالياتها سنويا. ولم تكن المؤسسة الراعية لجائزة الطيب صالح العالمية مضطرة لأن تدفع هذا المبلغ الكبير وتتعهد بدفعه سنويا، وكان بإمكانها إنفاقه في أي ضرب آخر من ضروب الدعاية، بعيدا عن حقل الثقافة الوعر.
لقد شاركت في دورتين متتاليتين في احتفالات تلك الجائزة. أدليت بشهادتي عن الكتابة، وشارك معي مبدعون عرب من أقطار مختلفة، كل حكى تاريخه ورؤيته، وكان ثمة جمهور حقيقي يستمع ويتدخل بالأسئلة، وسعدت كثيرا حين منحت بعض هذه الجوائز في فروعها المختلفة لمبدعين جدد بعضهم يطرق حقل الكتابة لأول مرة، وأيضا منح بعضها لمبدعين غير معروفين كثيرا.
ويؤكد هذا نزاهة تلك الجائزة بلا شك، وإن كنت مصرا على أن التحكيم عادة -في أي جائزة- يخضع لتذوق المحكمين أولا وموقفهم من الكتابة، وإن كانوا يحتفون بالتجريب أم يسيرون على هدي التجارب المستقرة التي لا تطرق المغامرة.
وجه آخر أبرزته تلك الجائزة، وهو وجه السودان الحضاري واحتفائه بضيوفه المثقفين على اختلاف أمزجتهم وتوجهاتهم، والذي ربما لم يكن ليعرفه مثقف لولا وجوده في فعاليات تلك الجائزة. لقد شاهدت كثيرا من هؤلاء الضيوف يبدون متأثرين بذلك الاحتفاء، وكثيرون أدلوا بشهاداتهم عن بلد رأو له وجها مختلفا عن ذلك الوجه الذي شوهه الإعلام.
وقد حكت لي ناقدة عربية أنها ترددت كثيرا في قبول الدعوة إلى الخرطوم ظنا منها بأنها مدعوة إلى بلد من الخرائب، لا بلد متحضر ومستنير وفيه من الثقافة ما يعادل ثقافات دول أخرى كان نصيبها أن تكون في المركز.
وبالرغم من أنني لم أحضر الاحتفالية الرابعة، لكني تابعتها وشاهدت كيف تطورت تلك الحفاوة، وكيف تذكرت الجائزة مبدعين كبارا لم يعد أحد يتذكرهم كثيرا، وكيف أن صديقنا الفلسطيني الكبير رشاد أبو شاور حكى عن تجربته الطويلة في الكتابة وتابعه الناس بشغف، وكانت المرة الأولى التي يزور فيها السودان.
كانت هناك أيضا شهادة السوري نبيل سليمان، أحد أعمدة الكتابة في الوطن العربي، شهادة ذات مذاق لا غنى عنه لكل المهتمين بالكتابة والواعدين على دربها، وكانت الجائزة الكبرى هذا العام لروائي جزائري شاب، لم يحصل عليها إلا عن طريق الإبداع.
لا نريد أن نخاصم مكتسباتنا حتى لا نفقدها، ولا نريد الرجوع إلى العهد القديم الذي كان فيه المبدعون في نظر المجتمع مجرد عاطلين بلا نفع. كل تقدم في مجال الثقافة محتفى به، وكل جائزة مرحب بها بشدة
هذه الجائزة -في رأيي الشخصي- تكريم حقيقي لذكرى الطيب صالح، وما حصل الطيب في حياته على جائزة مادية ذات قيمة قط.. كانت جائزته هي حب الناس لإبداعه وانتشاره وشخصيته الساحرة، وتأهله لأن يخلد في جائزة كبرى تمنح للأجيال التي قدمت بعده.
تبدو لي الجائزة أيضا حافزا جيدا للكتابة نفسها، وأنا على ثقة بأن الكثيرين قد أمدوها بالأعمال المتنافسة، وسيكون هذا دأبها كل عام كما أعتقد، تماما مثل جائزة البوكر العربية التي تواجه كل عام بانتقادات بلا حصر، ويشارك فيها حتى الذين ينتقدونها.
أمام جائزة الطيب صالح العالمية مشوار طويل من الانتقاد، مشوار طويل من التشكيك، وأتمنى أن لا يؤثر ذلك على معنويات منشئيها، فتحذف من خارطة الجوائز العربية. كما أتمنى أن تعدل بعض بنودها بحيث تخصص لأعمال منشورة، وليس مخطوطات كما تقول شروطها، ويمكن للعمل الفائز أن تعاد طباعته باسم الجائزة إن كان ذلك ضروريا.
مسألة العالمية هذه تبدو غير مقنعة تماما، والجائزة مخصصة للكتاب العرب حتى لو كانوا يعيشون في المكسيك. لنقول عالمية يجب علينا أن نفتحها لجميع كتاب العالم بجميع اللغات، وهذا أمر مستحيل بالطبع.
أقول في النهاية، إننا لم نصدق أن ثمة جوائز للكتابة موجودة الآن في وطننا العربي، سواء أنشأتها دول، أو مؤسسات خيرية، أو شركات اتصالات، أو حتى أفراد ميسورون. لا شيء يقلل من قيمة الجائزة حين تمشي في مسارها الصحيح، وتمنح للذين يستحقونها عن جدارة.
لا نريد أن نخاصم مكتسباتنا حتى لا نفقدها، ولا نريد الرجوع إلى العهد القديم الذي كان فيه المبدعون في نظر المجتمع، مجرد عاطلين بلا نفع. كل تقدّم في مجال الثقافة محتفى به، وكل جائزة مرحب بها بشدة.
أكمل القراءه

آثار مدينة ما قبل التاريخ تكشف سر الكنز في بلغاريا




 
 
ويؤمن الأثريون أن هذه المدينة كانت قليلة السكان حيث كان عددهم يقارب 350 نسمة ويعود تاريخها بين عامي 4700 و 4200 قبل الميلاد، وهو التاريخ الذي يسبق الحضارة الإغريقية القديمة بحوالى 1500 عام.
وكان سكان المدينة يقومون بغلي مياه الربيع واستخدامها في الحصول على قوالب الملح والتي كانوا يقومون ببيعها واستخدامها في تقديد وحفظ اللحوم.
وكان الملح سلعة كبيرة القيمة وقتها، وهو مادفع الخبراء للتفسير بأن هذا هو السبب في التحصين القوي للأسوار المحيطة بالمدينة.

كشف مثير

بدأ الاستكشاف في الموقع عام 2005، وكشف عن عدد من المنازل ذات الطابقين وسلسلة من الحفر التي كانت تستخدم في الشعائر الدينية، وكذلك أجزاء من هياكل بوابة وحصن، كما عثر على مقبرة أو أرض صغيرة للدفن في وقت سابق هذا العام ويعكف الأثريون على دراستها.
وقال فاسيل نيكولوف الباحث بمعهد الآثار القومي في بلغاريا لوكالة الأنباء الفرنسية :"نحن لانتحدث عن مدينة مبنية على الطراز الإغريقي أو روما القديمة أو عن مستوطنات العصور الوسطى، ولكن عن مدينة يجمع خبراء الآثار أنها تعود إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد."
وأكد الأثري كروم باتشافاروف من نفس المعهد أن "الكشف الأخير مثير للغاية"، وأضاف :"فالجدران الضخمة المحيطة بالمستعمرة، والتي تم بناؤها باستخدام قوالب صخرية وبارتفاعات كبيرة جدا شيء لم يسبق رؤيته في المواقع قبل التاريخية في جنوب شرق أوروبا من قبل."
وساعدت مناجم الملح الشبيهة القريبة من توزلا في البوسنة وتوردا في رومانيا على الكشف عن وجود عدد من الحضارات والتي كانت تحفر أيضا لاستخراج النحاس والذهب في جبال كارباثيان وبالكان خلال نفس الفترة.
وأكد مراسل بي بي سي في أوروبا نيك ثورب أن الكشف الأخير يفسر سر الكنز الذي عثر عليه منذ أربعين عاما في مقبرة في ضواحي مدينة فارنا التي تبتعد 35 كيلومترا عن الموقع، وهو أقدم الكنوز الذهبية التي عثر عليها في العالم.
أكمل القراءه
 
وطن السلام | by TNB ©2010 وتم تعريب القالب بواسطة مدونة نصائح للمدونين .