كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره كلمات مفتاحيه للصوره
1 2 3 4

الأمن السوداني يلقي القبض على قيادِيَيْن بالمعارضة الاريترية


قوات الأمن السودانية تعتقل معارضين بارزين دون إبداء أي أسباب، وسط مخاوف من تسليمهما إلى أسمرة.
ضريبة تحسن العلاقات بين البلدين
الخرطوم – اعتقلت قوات الامن السودانية قياديا في المعارضة الاريترية في الخرطوم من دون ان توضح اسباب اعتقاله، كما اعلن مسؤول في حزبه الثلاثاء.


وقال قيادي في “جبهة التحرير الاريترية” المعارضة لم يرغب بذكر اسمه ان “الامن السودان اعتقل يوم السبت رئيس جبهة التحرير ورئيس تحالف المجلس الوطني الاريتري حسين خليفه دون ابداء اي اسباب”.

واوضح ان “افرادا من جهاز الامن حضروا الى منزله بالخرطوم واخذوه دون تقديم معلومات”.

واضاف المصدر نفسه انه “في ذات الوقت اعتقلت قوة من الامن عضو المكتب التنفيذي للجبهة عبد الله حموداي من منزله بمدينة كسلا” في شرق السودان.

واضاف “نحن قلقون عليهما حيث لم توجه اليهما اي تهمة ولا نعرف مكان احتجازهما ونخشى تسليمهما للنظام الحاكم في اريتريا”.

وتعذّر في الحال تأكيد اعتقال خليفة وحموداي على ايدي الامن السودان لان الخرطوم ترفض التعليق على حالات فردية.

وإضافة الى جبهة التحرير يرأس خليفة “تحالف المجلس الوطني الاريتري” وهو تحالف لأحد عشر حزبا اريتريا معارضا ينشط من العاصمة الاثيوبية اديس ابابا.

وتتهم المعارضة الإريترية آسياس أفورقي “الزعيم الأوحد” للبلاد بأنه يمارسها حكما تسلطيا قمعيا، وبأنه ينكل بمعارضيه ويشردهم في عدد من الأجنبية بينها السودان واثيوبيا.

وتتهم هذه المعارضة الخرطوم بأنها “سلمت بعض المعارضين الإريتريين لجلاديهم الأفورقيين، وألقت بالكثيرين منهم على الحدود ليواجهوا مصيرهم المحتوم، ضاربة عرض الحائط بكل القوانيين والأعراف الإنسانية إقليميا ودوليا”.

ويستضيف السودان حاليا آلاف اللاجئين الاريتريين ولا سيما في شرق البلاد.

وتحسنت العلاقات بين الخرطوم واسمرة منذ انتهت في 2006 حركة تمرد كانت تنشط في المناطق الفقيرة في شرق السودان وكانت الخرطوم تتهم الحكومة الاريترية بدعمها.
نشر ميدل ايست أونلاين
أكمل القراءه

خطة تشريد نازحيّ دارفور… جريمة جديدة لمآساة مستمرة

تقرير *
ملخص: شهدت الاشهر الاخيرة من 2015 تزايد مطرد لمختلف أشكالا لعنف في إقليم دارفور. إلا أن متلازمة (الإرهاق من/ الفتورتجاه دارفور) ،والتي تعنى تراجع اهتمام مختلف الفاعلين بالكارثة الإنسانية المستمرة والإنتقال للإهتمام بقضايا أخرى سودانيا وإقليميا،مع ترك ميدان القضية الإنسانية، شبه محتكر لمبادرات وخطط النظام الحاكم في الخرطوم لن يؤدي سوى لتعميق الأزمة في دارفور. إن الخطة التي تعمل عليها الحكومة السودانية حاليا لتفكيك معسكراتالنازحين، وهي ليست بجديدة،تنذر بتفاقم الازمات الإنسانية، وتفتح المجال لإرتكاب المزيد من الجرائم ضد المواطنين النازحين لتضاف إلى سجل مآساتهم المستمرة.


تقديم
دأبت الحكومة السودانية مؤخراً على استغلال ظاهرة انحسار الاهتمام الدولي والإقليمي بمأساة ومترتبات الحرب الدائرة في دارفور منذ العام 2003، وتوظيفها لما اصبح معروفا بظاهرة (الإرهاق من/ الفتور تجاه دارفور)،بإرتكاب المزيد من الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين. وفيما تشهد الوقائع على الأرض ازدياداً مطرداً في حجم الجرائم المرتكبة في الإقليم، تدفع الحكومة السودانية بجهودها الدبلوماسية والإعلامية للادعاء بأن الحرب في الإقليم قد إنتهت. ولا تتوقف جهود الحكومة السودانية عند حدود الادعاءات السياسية فحسب ولكنها تمتد لإستهداف النازحين في معسكرات النزوحالمنتشرة في الإقليم وذلكعبر السعي لتفكيكها وفرض واقع جديد على الأرض، يتيح للحكومة الإفلات من الرقابة الدولية وبالتالى يضع هؤلاء النازحين رهينة ،بيد الحكومة وحزبها الحاكم،لفرض اجندتها السياسية والأيدولوجية،ولتعزيز المواقف التي تساعدها في تفاوضها مع الحركات السياسية المسلحة. هذا التقرير يستعرض الاستهداف المنهجي الجاري حاليا للنازحين في مختلف معسكرات نزوحهم بغرض تصفيتها،كما يحاول التقرير الموجز الكشف عن اهم مظاهر وأسباب هذا الإستهداف ضد نازحيّ حرب دارفور.
وفقا لتعريفات الأمم المتحدة ووكالاتها المعنية فان النازحين هم: “الأشخاص أو مجموعات الأشخاص الذين اضطروا أو أجبروا على الفرار أو على ترك منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة، نتيجة أو سعيا لتفادي آثار النزاعات المسلحةأو حالات العنف الجماعية أوانتهاكات حقوقالانسان أو الكوارث سواء إن كانت طبيعية أو من صنع الإنسان، من الذين لم يعبروا الحدود المعترف بها دوليا “.
وتضمن مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بالنزوح،ا لحق للنازحين في تلقي العون الإنساني من الغذاء والدواء والمأوى، والحق في الحماية من الأذى البدني ومن أثارالعنف،بالإضافة الي تأكيد حقوقهم في حرية التنقل الطوعي وحقوقهم في المشاركة السياسية والعمل المدني.
نائب الرئيس السوداني: الثور في مستودع الخزف
في ديسمبر 2013، قام الرئيس عمر البشير بتعيين حسبو محمد عبد الرحمن كنائب ثاني له بمؤسسة رئاسة الجمهورية وأوكل إليه، ضمن مهامه الرئاسية،المسؤولية الكاملةللإشراف على وضع معالجات لأزمة دارفور. ويعتبر حسبو عبدالرحمن ممن فرغتهم الحركة الإسلامية حتى قبل إنقلابها في 1989 للعمل حول قضاياالإقليم،حتي مرحلة تقنين وبروز مهامه الحكومية بصورة رسمية.فقد عمل منذ اندلاع أزمة دارفور مسئولاً عن العون الإنساني في إقليم دارفور،وممثلا للسودان لدي مجلس حقوق الإنسان بجنيف، ومسئولاعن ملف حقوق الانسان بوزارةالشئون الإنسانية قبل أن يتولى مقاليدها كوزير للشئون الإنسانية في العام 2005 وحتى 2009 (وهي الوزارة المسئولة عن الإشراف على منظمات المجتمع المدني وعمل حقوق الإنسان وملف العون الإنساني عبر مفوضية العون الإنساني، والمشهورة بأنها الذراع الأمني للسيطرة على العمل الطوعي). شهدت فترة تولي حسبو محمد عبدالرحمن قيادة العمل الإنساني، هجمات عسكرية ممنهجة أستهدفت معسكرات النازحين (على سبيل المثال الهجوم العسكري على معسكر كلما والذي قتلت فيه القوات الحكومية عشرات النازحين قبل أن تحاول تفكيك المعسكر بالقوة الجبرية لاحقاً). أيضا شهدت فترته كوزير طرد الحكومة لمنظمات الإغاثة الإنسانية العالمية العاملة في دارفور والتي كانت تتولى تقديم ما يقرب من 80% من العون الإنساني في الإقليم،هذا بالأضافة لأستهداف المنظمات الوطنية العاملة على أزمة دارفور وإغلاق عدد منها مثل المنظمةالسودانية للتنمية الاجتماعية ( سودو)، و مركزالخرطوم لحقوق الانسان والتنمية،ومركز الأمل لمساعدة وتأهيل ضحاياالعنف).
ومنذ توليه لمنصب النائب الثاني لرئيس الجمهورية في 2013،ظل حسبو يصرح بانتهاءالحرب في دارفورفي مغالطة إعلامية للواقع.
فقد دفع استمرارالهجمات العسكرية فى عام 2014 ، من قبل قوات الحكومة و المليشيات التابعة لها،ببعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي المشتركة إلى دارفور للإعراب عن تزايدالقلق من تصاعد أعمال العنف بدارفور،والتي لا تعكس تصريحات نائب الرئيس بإنتها الحرب، مشيرةالبعثة إلى ارتفاع عدد النازحين بأكثر من 215 ألف نازح جديد خلال ثلاثة أشهر. وقدأشارتتقارير البعثة الاممية تحديدا لقلقها المتزايد من أنماط العنف الجديدة التي ترتكبها مليشيات ما أسمتهاالقيادات الحكومية بقوات الدعم السريع. وفى ذات العام،وتحت الإشراف المباشر لنائب الرئيس حسبو عبدالرحمن، بدأت الحكومة السودانية في مطالبة البعثةالدولية بمغادرة إقليم دارفور، وهي الأصوات التي أخذت تتعالى بعد الكشف عن جرائم الاغتصابات الجماعية في قرية تابت في أكتوبر 2014. وتبرر الحكومة السودانية إصرارها على خروج البعثة الدولية من دارفور،على لسان وزير الخارجية إبراهيم غندور ،بأندارفور تشهد حالة من السلام وعودة للنازحين مما يتطلب مغادرة البعثة لإنتفاء اسباب وجودها. وفي ذات السياق الداعم لتصريحات ومطالبات وزير الخارجية غندور،أعلن نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن قبل أسابيع من الان في 28 ديسمبر 2015 تأكيدوعزم الحكومة على إكمال إغلاق كافة معسكرات ا لنازحين بدارفورخلال العام 2016 الجاري، مطالباً النازحين بترجيح أحد خيارين، إما الموافقة على التوطين أو العودة للمناطق الأصلية. واصفاًالمعسكراتبانها “منقصة كبيرة” فى إشارة الى أنها تهدر كرامة وأنسانية النازحين.
تصريحات، بل وتهديدات، نائب الرئيس حسبو محمد عبدالرحمن حول إكمال عملية إغلاق كافة معسكرات النازحين، وزياراته المستمرة والمكثفة لمدن وأرياف دارفور خاصة خلال الأسابيع المنصرمة تكشف عن إصرار وإستمرار نائب الرئيس في تنفيذ ذات الأجندة التي ظل يعاني منها، وتتعارض مع مصالح، وتنسف استقرار مواطني دارفور على مدى أكثر من عقد من الزمن. وهي ذات الاجندة والمهام التي قام على تنفيذها بإخلاص إجرامي حسبو محمد عبدالرحمن منذ ان كان ضابطا إداريا صغيرا بالإقليم، مرورا بكافة مهامه التنظيمية والحكومية على رأس العمل الإنساني والحقوقي، حتى بلوغه منصب النائب الثاني لرئيس الجمهورية.
2015 عام الحرب الصامتة في دارفور
بالرغم من الادعاءات الحكوميةا لمتواصلة بانتهاء حالة الحرب في دارفور وان الإقليم يشهد استقراراً تاماًفي الفترة الحالية، إلا أن واقع الحال يكذب هذه الادعاءات.وكماجاء في مستهل التقرير أعلاه،فإن الحكومة السودانية تستغل إلى أقصى درجة ظاهرة (الإرهاق من/ الفتور تجاه دارفور) وتدني مستويات الاهتمام والمتابعة لدولية والإقليمية بما يحدث في دارفور-وهي الظاهرة التي مع الأسف يروج لها المجتمع الدولي ذات نفسه-، حيث تعمل السلطات الحكومية بجهد كبير في بث وتثبيت مثل هذه الإدعاءت غير الحقيقية حول انتهاء الحرب في دارفور وبدء حقبة الإستقرار والتنمية في الإقليم.
وأبلغ وأقرب مثال حي في تكذيب الإداعاءات الحكومية بتحقيق الأمن والسلام هو ما شهدته مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، من إطلاق للرصاص الحي من قبل القوات الحكومية على أوجه المدنيين الأبرياء من المعتصمين سلمياً بالمدينة هذا الاسبوع في العاشر من يناير 2016 وقتل نحو عشرة من المواطنين وإصابة العشرات من سكان المدنية والقرى المجاورة لها، وذلك بعد ان أحرقت المليشيات التابعة للقوات الحكومية قرية (مولي) بالكامل وشردت اهاليها نحو مدينة الجنينة.
وتأتي موجة العنف الحالية في سياق خطة متكاملة ومترابطة تشمل حلقاتها تفكيك المعسكرات وتشريد النازحين وقيام الإستفتاء الإداري للإقليم وفرض سلام جزئي يتم تثبيته بالإرهاب والعنف. وتعود هذه الخطة الى تاريخ إنفضاض جول المفاوضات الأخيرة حول وقف العدائيات بالإقليم بين الحكومة السودانية وحركتيّ العدل والمساوأة وحركة تحرير السودان- مني مناوي في 23 نوفمبر 2015، وتعنت الحكومة السودانية حينها من الوصول الى أي إتفاق، ومن إعلان وزير الدفاع السوداني عن إعادة نشر القوات وشن الحرب في جميع جبهات القتال، ليقوم بعدها نائب الرئيس حسبو عبدالرحمن بتدشين مرحلة تفكيك المعسكرات وإعادة تشريد النازحين، توطئة لعملية الإستفتاء بدارفور.
لقد شهد العام 2015 استمراراًللعنف والإنتهاكات في دارفور بذات الوتيرة المتصاعدة في العام الذي سبقه. حيث أعلنت وكالة الأمم المتحدة للشئون الإنسانية في السودان (أوتشا) في فبراير 2015،عننزوحأكثرمن 41000 نازح جديد من منطقة شرق جبل مرة وحدها، و ذلك هرباً من القصف الجوي الحكومي على المنطقة. كماأكدت الوكالة في نشرتهاالدورية، انه نسبة لعدم قدرتها للوصول للعديد من المناطق فى جبل مرة وبالتالي عدم مقدرتها على التقدير الدقيق لعدد النازحين و إحتياجاتهم،فان العدد الكلى ربما يكون أكبر من ذلك بكثير . واكدت وكالةالأمم المتحدة إلى تحققها من بلوغ العدد الكلي للنازحين جراء الحرب في دارفور إلى المليونين ونصف المليون نازح(ة)،وذلك بعد نزوح نحو 233 ألف نازح جديد خلال عام 2015 وقبل بداية العام الحالي.
أكمل العام 2015 المنقضي قبل أيام دورته بإستمرار هجمات قوات الدعم السريع والقصف الجوي منقبلالجيشالسوداني على قرى المدنيين في دارفور، خاصة تركيز الهجمات على مناطق المزارعين في وسط وجنوب دارفور،بما فيها عمليات إحراق المحاصيل ونهب المواشي، وغيرها من ممارسات عنف وإجرام تجاه المدنيين والنازحين خلال ذات العام تنذر بمجاعات تهدد كل سكان الإقليم. كما أعلنت عدة وكالات إغاثة عالميةعن عجزهاعن الاستمرار في تقديم الدعم الغذائي لحوالي 122 ألف نازح ونازحة في الإقليم منذ نوفمبر الماضي بسبب تصاعد رقعة العنف. وهو ما أكدته وكالة الأمم المتحدة للشئون الإنسانية خلال شهر ديسمبر المنصرم عن استمرارالهجمات على 34 قرية خلال أسبوع واحد من ديسمبر 2015 في محلية كتم بشمال دارفور، مقدرة عدد المتأثرين بهذه الهجمات ونزوح بما يقارب العشرة الأف من المدنيين قبل أسابيع فقط من الان.
إن ادعاءات الاستقرار والسلام الوهمي، وإمكانية العودة الطوعية للنازحين وغيرها مما تنعق به الدعاية الحكومية عبر النشاط الكثيف لمختلف القيادات والهيئات الحكومية والموالية للحزب الحاكم في بث وتثبيت مثل هذه الادعاءاتغير الحقيقية حول انتهاء أمد الحرب في دارفور وبدء حقبة الاستقرار والتنمية في الإقليم، هذه الادعاءات، في عدم مصداقيتها، شأنها شأن الحديث عن (الإرهاق من/ الفتور تجاه دارفور) الذي يتدثر به المجتمع الدولي والإقليمي حالياً، حيث لا يمكن لمثل هذه الادعاءات الكاذبة من تغطية الشمس وحجب أطول كارثة إنسانية مستمرة في التاريخ المعاصر، يظل شهودها الأحياء الملايين من نازحيّ ولاجيّ دارفور داخل وخارج السودان.
تفكيك المعسكرات.. عودة طوعية أم جريمة تهجير قسري جديدة

أثارت تصريحات النائب الثاني حسبو محمد عبدالرحمن وتحركاته مؤخرا بدارفور،عن عزم الحكومةعلى تفكيك كافة معسكرات النازحين خلال عام 2016 ، العديد من ردود الأفعال، إلا أن أبرزها جاء من قبل كيانات ومؤسسات النازحين الحقيقية، وليس المصنوعة حكومياً. حيث أعتبر النازحون ان خطة تفكيك معسكرات النزوح وتشريدهم من جديد بأنها تمهيد لارتكاب مجازر إبادةجماعية جديدة. وشددوا على ان خطط تفكيك المعسكرات ليست بالجديدة باعتبارها تقف شاهدة على الجرائم التي ظلوا يتعرظون لها على مدى سنوات. حيث طالب النازحون في رد فعلهم على حديث وبرنامج نائب الرئيس حسبو، طالبوه بإزالة جذور وأثار مشكلةالنزوح أولا قبل الحديث عن تفكيك المعسكرات. فقد خرج مؤتمر النازحين الذي عقد في الأسبوع الأول من يناير 2016، بمعسكر كلمة وحضره ممثليين لقيادات النازحين من كافة المعسكراتالأخرى ، خرج رافضاً لخطط الحكومة الرامية لتفكيك المعسكرات أو إعادة تخطيطها مشترطآان عودة النازحين لمناطقهم الأصلية لا تتم سوى باستعادة الأمن وتفكيك المليشيات الحكومية التي تداوم الهجوم على قراهم. وكذلك تبنى المؤتمر عدة توصيات ترفض التلاعب بحقوق النازحين المعروفة.
كماطالبوا، قبل طرح خطط العودة الطوعية،بالتعويضات الفردية والجماعية لخسائر النازحين، وحل مشكلة المستوطنين الجدد فى أراضيهم التى نزحوامنها،وعودة القرى إلى أصحابها الأصليين.
كما طالب مؤتمر النازحين المنعقد في الإسبوع الاول من يناير الجاري الهيئات الدولية والإقليمية المعنية بشأن دارفور (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن) الى بذل المزيد من الجهد والالتزام بقرار الأمم المتحدة الخاصة بحماية المدنيين.
وأشارواإلى ضرورة تعديل دوريوناميد من بعثة حفظ سلام،إلى بعثة صنع السلام “لأنه لا يوجد سلام في دارفور فى الأساس للحفاظ عليه”. ووضع المؤتمر توصيات بضرورة السماح لمنظمات الإغاثة الدولية الكبرى والتي كانت بالإقليم بالعودة مشيراً للدورالكبيرالذي كانت تلعبه في تخفيف أثارالحرب.
ومن المهم الإشارة هنا الى التجاربوالخبرات السيئةللنازحين مع مخططات تفكيك المعسكرات وتشريد النازحين بدارفور، وهو ما ظلت تطلق عليه السلطات الحكومية بخطط العودة الطوعية فيما مضى من سنوات. فقدتعرضت عائلات النازحين للعديد من الهجمات من قبل المليشيات الموالية للحكومة سواء في طريق العودة أو بعد عودتها والاستقرارفيقراهاالأصلية، مما إضطرهاللخوض من جديد فى نفس تجربةا لنزوح القاسية والعودة للمعسكرات. و كمثال لحالات النزوح المتجدد أو المتكاثر ماتعرضت له فقط منطقة حمادة شرق منواشي في ولاية جنوب دارفور فى عام 2014 من هجمة تأديبية من قبل المليشيات الحكومية قٌتل فيها 15 منالمدنيين. وفي يوليو من نفس العام، تعرض النازحين الذين عادوا في اطار نفس البرنامج الي منطقة هشابة بجنوب دارفور الي هجوم من قبل نفس المليشيات في الأسبوع الأول لعودتهم إلي المنطقة. وفرضت مليشيات رعوية مسلحة دفع (اتاوات) على النازحين العائدين، وهاجمت مزارعهم في قرى (ارضة شوق ، ومطاوى ، ومرقوبة ) بولاية شمال دارفور.
كما هاجمت في منطقة(ارولا) بولاية وسط دارفورمليشيات موالية للحكومةالنازحيين العائدين وقامت بنهب المواد الغذائية والخيام والمشمعات والبذور المقدمة لهم من منظمات العون الإنساني بغرض الزراعة للإكتفاء الذاتي.
إن تفضيل النازحين للبقاء في معسكرات النزوح المنتشرة بدارفور ليس لما بها من رفاهية أو إستمراء لحياة المخيمات بما فيها من بؤس وعنت، بل يعود فى الأساس إلى حالة الأمان النسبي الذي توفره لهم تلك المعسكرات من هجوم القوات الحكومية وميلشياتها والقصف الجوي، هذا فضلاً عن الرقابة المفروضة على المعسكرات من قبل المنظمات الدولية والإقليمية العاملة في المعسكرات والبعثة الأممية. وبالتالى فأن السعي لتفكيك المعسكرات والتشريد المجددللنازحينيضعهمأمام خطر تواصل الإنتهاكات والعنف من قبل المليشيات التابعة للحكومة وهجمات القوات النظامية، كما يعرضهم مرة أخرى لسلسة جديدة من الجرائم الجسيمة ضمن مآساتهم الإنسانية المستمرة.
غض النظر عن نجاح او فشل السلطات الحكومية في تنفيذ خطة تفكيك المعسكرات وإعادة تشريد النازحين بدارفور، فإن ما تقوم به قيادات الدولة والحزب الحاكم في السودان حالياً، مستغلة و/أو موظفة لحالة (الإرهاق من/ الفتور تجاه دارفور) من قبل المجتمع الدولي، تندرج هذه التحضيرات والممارسات ضمن الجرائم التي عرفها القانون الدولي بالتهجير القسري، والذي على يشمل كل” ممارسة تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أراضٍ معينة”. فإجبار النازحين على ما يسمى بالعودة وإخلاء معسكرات النزوح ضد إرادتهم ورغبتهم يدخل بالضرورة ضمن هذاالإطارالعام في تعريف جريمة التهجير القسري.
إستفتاءدارفور، تفكيك المعسكرات وتغيير الخارطة السكانية
فى الوقت الذى أعلن فيه الرئيس البشير فى أكتوبر في العام الماضي على عزم حكومته على إقامة استفتاء حول الوضع الإداري لولايات دارفور في أبريل المقبل،كأحداستحقاقات تفاقية الدوحة،إستبق نائبه حسبو عبدالرحمن نتائجالاستفتاء قاطعا باستحالة عودة دارفور لنظام الإقليم الواحد، مشدداً على قيام الإستفتاء في موعده.
يذكربأن المطالبة بالعودة لنظام الأقليم الواحد هو في دارفور بدلاَ عن الولايات الخمسة الحالية، والتي ظلت تتكاثر كل عام تلبية للؤلاءات القبيلة التابعة للحزب الحاكم، ظل هذا الطلب السياسي هو الموقفالذي ظلتتفاوض حولهمعظم الحركاتالسياسية المسلحةذات القاعدة الإجتماعة بالإقليم. فليس من مصلحة الحزب الحاكم السياسية إجراء هذا الإستفتاء في ظل ظروف موضوعية ونزيهة لا تتحقق سوى ببلوغ سلام عادل وشامل في دارفور، وفي كافة مناطق الحروب بالسودان. عليه، تندرج سياسة وخطط تفكيك وتفريغ معسكرات النزوح وعملية التوطين القسري للنازحين، وأهمية الإسراع بهذه المهمة كما هو واضح من قيادة النائب الثاني للرئيس لها، تندرج ضمن عملية تغيير وإعادة توزيع الخارطة السكانية بدارفور، وذلك بالقدر الذي يؤثر على نتائج ذلك الإستفتاءويحقق المصالح والأجندةالسياسية والجهوية والأيدولوجية للحزب الحاكم وحلفائه، خاصة فيما يتعلق بقضايا ومجرى الصراعفيدارفورمستقبلاً.
إن قيام استفتاء دارفورفي هذه الظروف و بهذه العجاله يوفر للحكومة السودانية المناخ المناسب للتلاعب بنتائجه من خلال التلاعب باعداد النازحين واماكن إقامتهم، مثلما قامت بذلك من قبل في انتخابات 2014 وحديثها عن عودة 80 الف نازح الي قراهم الأصلية في اطار العودة الطوعية وتاكيد مشاركتهم في تلك الإنتخابات، وهي العودة التي كذبها عدد من تقارير مستقلة نفت حدوث ذلك.
إن الإستعجال والحركة الدؤوبة وإعلان مدة الخمسين يوماً خلال تصريحات نائب الرئيس حسبو محمد عبدالرحمن لإنطلاقة خطط تفكيك المعسكرات وتشريد النازحين يمكن، بل يجب فهمها في سياق الإستعجال في إجراء إستفتاء الإقليم كما نصت عليه وثيقة الدوحة للسلام في ابريل القادم. قيام الإستفتاء ليس إلتزاماً من الدولة بإتفاق سلام غير موجود على الأرض بعد رفض منظمات سياسية معتبرة للوثيقة وعدم تحقيقها للأمن الذي وعدت به، بقدرما يأتي الإستفتاء إستباقاً لأي تغيرات في موازين القوى السياسية بالإقليم في حالة حدوث سلام عادل ودائم بدارفور، ومن ثم تصبح أهم عملية سياسية في دارفور- الإستفتاء على الإقليم الواحد- قد افرغت من محتواها وما يمكنها تقديمه لمواطنيّ الإقليم في مقابل تحقيقه فقط لمصالح وتوجهات الحزب الحاكم.
خاتمة
إن النزوح هوالظاهرةا لأبرزللإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، كما يمثل أكثر صور تمظهرات المآساة الإنسانية التي تمت ولا تزالمستمرة فيإقليمدارفور. إن معالجة أزمة النزوح والنازحين لا يمكنها ان تتم إلا من خلال تحقيق السلام العادل والنهائي والشامل وذلك ببحث ومعالجة جذور أزمة الحرب في دارفور، وغيرها من مناطق الصراع في السودان، وفي القلب من هذه الجذور قضية العدالة والمحاسبة على ما تم إرتكابه من جرائم جسيمة وإبادات جماعية في حق النازحين وأهلهم.
إن فشل كافة الخطط والمحاولات السابقة للحكومة السودانيةلتفريغ وتفكيك معسكرات النزوح على مدى سنوات،ومايعتري المحاولة الحالية من فشل بقيادة نائب رئيس الجمهورية- لما تحتويه لذات الإداعاءت الزائفة السابقة من إستقرار وسلام وهمي و عودة كاذبة النازحين- تكشفهذه الخطط بجلاءعجز التدابير التي وضعتها وثيقة اتفاق سلام الدوحة فى مخاطبة جذور أزمة دارفور وبالتالي فشلها في بلوغ أدنى مراتب السلام النسبي في الأقليم.
إن الخطة التي تعمل عليها الحكومة السودانية حاليا لتفكيك المعسكرات وإعادة تشريد النازحين بدارفور، وهي ليست بجديدة، تنذر بتفاقم الازمات الإنسانية، وتفتح المجال لإرتكاب المزيد من الجرائم ضد المواطنين النازحين لتضاف إلى سجل مآساتهم المستمرة. لذا من الواجب على القوى السياسية والمجتمع المدني السوداني المستقل الوقوف مع ودعم اصوات النازحين ومطالبهم المشروعة في التصدي ومقاومة مشروع تفكيك المعسكرات وإعادة تشريد نازحيّ دارفور، ووقف العنف قبل ذلك، وذلك بجعل أزمة النازحين في دارفور هي ازمة وقضية كافة السودانيين، وخاصة قواه الفاعلة من اجل التغيير.
إن تفاقم الأزمة الإنسانية وتزايد العنف في دارفور، ونذر الجريمة الجديدة الجارية حالياً حول قضية النازحين، تتطلب من المجتمع الدولي والإقليمي التخلص مما اقعد بفاعليته، وتدثره بمقولات (الإرهاق من/ الفتور تجاه دارفور). ويشمل ذلك الإستسلام شبه التام لبعثة اليوناميد لكل تشترطه وتضغط من اجله الحكومة السودانية، بما فيها تهاونها مع سعى الحكومة السودانية في إنهاء مهام البعثة. فهكذا مواقف وإنسحاب للمجتمع الدولي، وعدم تمسكه وتنفيذه لقراراته السابقة حول أزمة دارفور، هو مايسمح ويشجع الأن تزايدالإنتهاكات والعنف ضد المدنيين، وهو ما يعرض حالياً النازحين للإنفراد بهم ولتنفيذ كل ما يحقق مصالح وتوجهات السلطات الحكومية والحزب الحاكم من تفكيك للمعسكرات وإعادة تشريد للنازحين.
تقرير صادر عن المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً حول برامج الحكومة السودانية لتفكيك معسكرات النازحين
11 يناير 2016
أكمل القراءه

الالتزام بالعهود أم التهرب من المسئولية: تزايد الحوجة لدور أكثر فاعلية لبعثة يوناميد في دارفور

تقرير: أعدته المجموعة السودانية للديمقراطية أولاًملخص تنفيذي

في نوفمبر ٢٠١٤، بدات الحكومة السودانية تطالب برحيل بعثة الاتحاد الافريقي والامم المتحدة المشتركة في اقليم دارفور (يوناميد) عن الاراضي السودانية. وبدات هذه المطلب في الظهور بالتحديد بعد كشف البعثة عن جرائم الاغتصاب الجماعي في قرية تابت في اكتوبر من نفس العام. وبينما تبرر الحكومة السودانية لمطلبها برحيل يوناميد بالادعاء بان دارفور تشهد حالة من السلام والاستقرار، فان الحقائق على ارض الواقع تكشف تزايدا مطردا للعنف والانتهاكات التي ترتكبها القوات الحكومية والمليشيات التابعة لها.
رحيل يوناميد في الوقت الحالي، سيفاقم من سوء الاوضاع الانسانية في دارفور ويزيد من حدة الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيين. فبدلا عن الاستغراق في نقاش كيفية التهرب من المسئولية الانسانية وبحث خطط خروج يوناميد من السودان، ينبغي على المجتمع الدولي البحث عن السبل المناسبة لزيادة فعالية البعثة في تنفيذ دورها وواجباتها المنصوص عليها، وذلك وفقا للتوصيات التالية:
الالتزام بتواجد البعثة على الأرض لدعم عملية بناء السلام وتحقيق الاستقرار في إقليم دارفور، ورفض الدعاوي الحكومية المجافية للواقع عن حدوث اي استقرار، فالسلام في دارفور لا يزال بعيد المنال.
انهاء حالة اعاقة ايصال المساعدات الإنسانية والتحكم على مساراتها من قبل الحكومة السودانية، وممارسة الضغط الكافية على الحكومة السودانية بغرض ايصال المساعدات الانسانية بواسطة المنظمات العالمية دون شروط او قيود.
اشراك كافة الاطراف ذات الصلة في تنسيق اعمال بعثة يوناميد، بما في ذلك القوى السياسية ذات القاعدة الاجتماعية الواسعة والحقيقية في دارفور، والقيادات الاهلية من ممثلي مجتمعات ضحايا الحرب من النازحين.
زيادة فاعلية بعثة يوناميد ودعمها بالمعدات المطلوبة، وخصوصا الطائرات والمعدات الجوية. بالاضافة الى اظهار وتقديم الامم المتحدة والاتحاد الأفريقي للدعم السياسي الكافي للبعثة وبما يمكينها من اداء مهامها كما هو منصوص عليه في مجالات اختصاصها.
مقدمة
في الواحد والثلاثين من يوليو لعام ٢٠٠٧، اصدر مجلس الامن الدولي التابع للامم المتحدة القرار رقم ١٧٦٩، والذي نص رسميا على انشاء بعثة الامم المتحدة والاتحاد الافريقي المشتركة الي اقليم دارفور (يوناميد). وقد منح القرار البعثة مهام حفظ السلام لدعم اتفاقية سلام دارفور الموقعة في عام ٢٠٠٦ بابوجا. وعمليا فقد حلت البعثة المشتركة (يوناميد) محل بعثة الاتحاد الافريقي لاقليم دارفور (اميس) والتي كان قد تم انشاءها في العام ٢٠٠٤ لحماية المراقبين الذين ارسلهم الاتحاد الافريقي لمراقبة وقف اطلاق النار الذي تم التوصل اليه حينها. ولاحقا تم توسيع مهام بعثة (اميس) لتشمل مهام حفظ السلام في الاقليم بالتزامن مع فرض عقوبات دولية على الحكومة السودانية تحت طائلة قرار مجلس الأمن ١٥٦٤.
والشاهد ان قوات البعثة الأفريقية (اميس) كانت ضعيفة التسليح والاعداد بالاضافة الي ضعف تمويلها وتجهيزها، لدرجة انها لم تستطع من اكمال حجم قواتها المصرح به والبالغ ٧٧٣١ جندي وضابط شرطة. ونسبة لهذه العوامل المشتركة فقد فشلت البعثة في احتواء العنف الدائر في دارفور حتى تاريخ اندماجها بشكل كامل وتوسعتها لتصبح البعثة الامم المتحدة والاتحاد الافريقي المشتركة في دارفور (يوناميد) في ٣١ ديسمبر ٢٠٠٧.
افق للامل
استند القرار بتشكيل بعثة حفظ السلام الدولية المشتركة في دارفور بين الامم المتحدة والاتحاد الافريقي على اساس الحوجة المآسة لبعثة حفظ سلام اكثر فعالية وافضل تاهيلا وذات تفويض اقوى لتدعم عملية السلام وصنع الاستقرار في دارفور. ومنحت البعثة تفويضا لفترة ١٢ شهر عند تاسيسها وتم التجديد لها مرات متعدده حتى تاريخه. ويبلغ عدد قوات البعثة نحو ٢٦ ألف كادر (ينقسمون الي ١٩٥٥٥ ضابط عسكري، ٣٧٧٢ ضابط بوليس بالاضافة الي ١٩ وحدة بوليس خاصة تشمل ٢٦٦٠ ضابط)، هذا غير الموظفين الاداريين المحليين والاجانب. وتعتبر بعثة يوناميد من اكبر بعثات حفظ السلام على مر التاريخ العالمي. بالاضافة الى ذلك، فان بعثة يوناميد تعتبر اول بعثة لحفظ سلام ثنائية التكوين في تاريخ الامم المتحدة تشارك في ادارتها منظمة دولية اخرى ممثلة في الاتحاد الافريقي. واستجابة لضغوطات الحكومة السودانية، فقد تم الاتفاق بالاحتفاظ بشخصية افريقية للقوات المشاركة في البعثة بينما تتولى الامم المتحدة الادارة وتقديم الدعم اللوجستي والمادي للبعثة.
وبالمقارنة مع بعثة (اميس)، فقد تم تقوية التفويض الممنوح للبعثة المشتركة بشكل وافي ليتضمن:( 1) دعم تنفيذ اتفاقية سلام دارفور المبرمة في ابوجا لعام (٢٠٠٦)، (2) دعم عملية المصالحات السياسية في دارفور وضمان اشراك كافة الاطراف، (3) استعادة شروط الامن الضرورية لضمان تقديم العون الانساني للمتضررين في الاقليم، (4) السماح باستخدام القوة العسكرية لحماية المدنيين وموظفي البعثة ومنظمات الاغاثة، و (5) مراقبة حوادث العنف والتحقيق فيها وتبليغ مجلس الامن عنها.
مآساة يوناميد
برغم كل التحضيرات والاستعدادات والتفويض الكافي للبعثة، ظلت يوناميد تواجه انتقادات كبيرة تتعلق بطريقة ومستوى تنفيذها لواجباتها ومهامها المنصوص عليها. وتعددت التجارب في تقصيرها بصورة خاصة في واجب حماية المدنيين في دارفور. وقد ساهم نقص المعدات والتاهيل في التاثير على فعالية البعثة، خصوصا النقص في الطائرات والمعدات الجوية بالنظر الي واقع الجغرافيا المعقدة والمتسعة بدارفور وانتشار القصف الحكومي الجوي كاحد ابرز وسائل الانتهاكات ضد المدنيين مما ساهم في الحد من فعالية البعثة.
كذلك ساهم ضعف الإرادة السياسية من قبل الأطراف الدوليين لدعم البعثة وخصوصا في دعم استعمال القوة العسكرية لحماية المدنيين، مما نتج عنه حالة الفشل الكبير ة في تنفيذ واجب حماية المدنيين الموكل الي البعثة. وقد وصلت حالة الفشل هذه الي الدرجة التي حدت باحد المراقبين الدوليين، لوصف يوناميد بأنها “تقدم دروسا” عن كيفية التعاون الدولي في ادارة الحملات المشتركة، بدلا عن “القيام بمهامها” كبعثة لحفظ سلام. كما اشار مستشار الامن القومي البريطاني السير مارك جستين قرانت -وهو مبعوث دائم سابق لبريطانيا لدى الامم المتحدة، ورئيس مجلس الامن الدولي لاربع دورات مختلفة- اشار الي الطبيعة الهجين الثنائية للبعثة كاحد معوقات نجاحها، بالاضافة الي المعوقات العملية التي تضعها الحكومة السودانية في وجه البعثة لتعطيلها عن تنفيذ مهامها. فعلى سبيل المثال كانت الاجراءات البيروقراطية التي تلزم البعثة باخذ الاذن من الحكومة لكل نشاط تبتغي القيام به-حتى تلك النشاطات المنصوص عليها صراحة في تفويض البعثة- وبما يستهلك الكثير من الوقت والجهد، بالاضافة الى منع يوناميد من التحقيق في، والتعامل مع الجرائم والانتهاكات التي تقع امام اعينها.
ان الانتقادات الموجه الى بعثة يوناميد حملت في طياتها ان العالم كان اشد اهتماما بمراقبة تجربة التعاون الدولي والاقليمي ممثلا في البعثة الهجين ليوناميد اكثر من اهتمامه بمهام حفظ السلام الموكلة اليها. فقد كان واضحا ان البعثة قد صممت للحفاظ على سلام لم يوجد اصلا ولم تكن هي مؤهلة بالشكل الكافي للمشاركة في صنعه.
وفي ابريل من عام ٢٠١٤، اتهمت موظفة دولية سابقة بالبعثة، يوناميد بالمشاركة في مؤامرة للتغطية بشكل متعمد على الانتهاكات المستمرة التي ترتكبها الحكومة والمليشيات الموالية لها ضد المدنيين في دارفور. وحسب تصريحات د. عائشة البصري، والتي شغلت منصب المتحدث الرسمي باسم البعثة في اعوام ٢٠١٢ و٢٠١٣، قائلة ان قوات يوناميد لم تحرك ساكنا وهي تشاهد حوادث الهجوم على المدنيين واطلاق النار عليهم بواسطة المليشيات والقوات الحكومية. وكذلك اضافت البصري ان البعثة قد كانت تاخذ صورا وتؤثق هذه الهجمات في بعض الاحيان، ولكنها لم تقم ابدا بالتبليغ عنها. كما تضمنت اتهامات البصري فشل البعثة في التبليغ عن حملات القصف الجوي الحكومية على المناطق المأهولة بالمدنيين، وتورط الحكومة في النزاع حول مناطق التنقيب على الذهب في جبل عامر في عامي ٢٠١٢ -٢٠١٣ والذي نتج عنه مقتل المئات من المدنيين بالاضافة الي موجة نزوح واسعة للمواطنين هربا من العنف قدر حجمها بأكثر من مئة ألف نازح من المنطقة.
وسربت عائشة البصري آلالاف من التقارير الدبلوماسية، وتقارير الشرطة، والتحقيقات العسكرية والمراسلات الي مجلة السياسة الخارجية (فورين بوليسي) كدليل على اتهاماتها العلنية وذلك بعد ان رفضت الامم المتحدة مرارا التحقيق في تلك الاتهامات.
في خطوة غير متوقعة تلت ذاك التسريب، طالبت المحكمة الجنائية الدولية، الامم المتحدة بالتحقيق في هذه الاتهامات بالتستر على جرائم الحكومة السودانية في دارفور. وبينما رفضت الامم المتحدة اجراء اي تحقيق مستقل في الامر، الا انها اعلنت عن اطلاق عملية مراجعة استراتيجية شاملة لعملياتها في دارفور. وبالرغم من ان المراجعة وصفت بانها تمت في جو من السرية وتميزت بعدم الشمولية، الا ان تقريرها الختامي قد اثبت وجود خمسة حالات على الاقل ضللت فيها بعثة يوناميد وسائل الاعلام واخفت معلومات أساسية تدين الحكومة السودانية في حوادث الهجوم على المدنيين وقوات حفظ السلام، عن رئاسة الامم المتحدة. ان قيادة بعثة يوناميد قد ضللت مجلس الامن الدولي بالإضافة الي فشلها في تنفيذ واجبات وتفويضها. ونتيجة لذلك طالبت عدد من الدول الاعضاء بمجلس الامن بمحاسبة المتورطين من القيادات في هذه الفضيحة، ولكن الامم المتحدة لم تحمل قيادة يوناميد اي مسئولية على الاطلاق. وعلى اي حال فقد اعلن قائد البعثة عن عزمه ترك موقعه في سبتمبر ٢٠١٤، دون ان يصرح ان كان لهذا الامر اي علاقة بنتائج تقرير المراجعة ام لا.
ثمن الصمت
في الثلاثين من نوفمبر ٢٠١٤، طالب الرئيس السوداني عمر البشير بعثة يوناميد بالرحيل عن الاراضي السودانية. وصف البشير البعثة بانها باتت تشكل عبء امني واتهمها بانها بعثة لحماية المتمردين وليس المدنيين. وبعدها مباشرة طالبت الحكومة السودانية رسميا من بعثة يوناميد اعداد استراتيجية لخروج البعثة من دارفور، وعقدت لاجل هذا الغرض اجتماع رسمي للآلية الثلاثية العليا للتنسيق لعمل يوناميد ( الامم المتحدة والاتحاد الافريقي والحكومة السودانية). من ثم اعلت الحكومة السودانية من مطالبها برحيل بعثة يوناميد بعد مشاركة البعثة في الكشف عن جرائم الاغتصاب الجماعي التي ارتكبتها القوات الحكومية في تابت. وكانت عناصر امنية تابعة للحكومة قد منعت البعثة من التحقيق في الواقعة اكثر من مرة مما حدي بالبعثة للاعراب علنا عن قلقها بخصوص جريمة اغتصابات تابت.
و تواصلت مطالبة الحكومة برحيل يوناميد على مدار العام ٢٠١٥، حيث اصبح هذا المطلب هو الخطاب الحكومي الرسمي عند الحديث عن يوناميد، وتكرر ايضا عندما ادعى وزير الخارجية السوداني، ابراهيم غندور، ان دارفور تشهد حالة من السلام وعودة طوعية للنازحين بما يتطلب رحيل البعثة. وفي ذات السياق، صرح نائب الرئيس السوداني حسبو عبد الرحمن في ٢٨ ديسمبر ٢٠١٥ عن نية حكومته في تفكيك كافة معسكرات النازحين خلال العام ٢٠١٦. ووضع خيارين امام النازحين: اما القبول بالعودة الطوعية او اعادة تخطيط مناطق لجؤهم الحالية، مشددا على عزم الحكومة السودانية على اتخاذ كافة الاجراءات الضرورية للوصول الي هذا الهدف، معلنا ان عام ٢٠١٦ سيشهد نهاية النزوح في دارفور.
جشع الغول
تشهد القمة الأفريقية في يناير ٢٠١٦، اجتماعا للآلية الثلاثية الرفيعة لتنسيق عمل بعثة يوناميد، وقد اعربت الحكومة السودانية مبكرا على نيتها في اعادة طرح خروج يوناميد من دارفور كجند اساسي لهذا الاجتماع. واقع الحقائق على ارض اقليم دارفور ينفي بشدة كافة ادعاءات الحكومة عن تحقق اي سلام او استقرار متوهمين في الاقليم. فقد شهدت الاسابيع القليلة الماضية ارتفاعا مستمرا في احداث الاعتداء على المدنيين في مناطق مختلفة من دارفور. وقد استعرضت المجموعة السودانية للديموقراطية اولا في تقرير سابق لها بعنوان (تفكيك معسكرات النازحين في دارفور، جريمة جديدة في سلسلة جرائم مستمرة)، وضع العنف المتزايد في الإقليم. ففي ١٥ يناير ٢٠١٦ قامت قوات من مليشيا قوات الدعم السريع التابعة للحكومة السودانية مصحوبة بقصف جوي مكثف بشن هجوم واسع النطاق على مناطق جبل مرة بما ادى الي خسائر واسعة في الارواح ونزوح آلاف المواطنين عن مناطق سكناهم الأصلية حول المنطقة[1]. وفي مطلع يناير، هاجمت عناصر امنية حكومية الاعتصام السلمي للنازحين في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور مما ادى الي مقتل ١٤ منهم[2]. وكان الاعتصام يطالب بتوفير حماية حكومية للقرى المحيطة بالجنينة من الهجمات المتكررة من المليشيات الموالية للحكومة. وايضا، حسب تقارير وكالة الامم المتحدة لتنسيق الاغاثة الإنسانية (اوتشا) فقد شهد اسبوع واحد فقط من ديسمبر المنصرم ٣٤ هجمة عسكرية قامت بها المليشيات الموالية للحكومة على قرى المدنيين في محلية كتم شمال دارفور فقط[3]. كما شهد نهاية العام الماضي تزايدا مستمرا للعمليات العسكرية في دارفور بما نتج عنه نزوح ٢٣٣ ألف مواطن خلال العام بحسب إحصائيات اوتشا. وقد ركزت مليشيات الدعم السريع والمليشيات شبه الحكومية الأخرى على حرق المحاصيل ونهب الماشية من الاهالي بما يهدد بانتشار مجاعة واسعة النطاق في الاقليم خلال هذا العام[4]. وقد اعلنت عدة وكالات غوث إنساني -ومن بينها صندوق الغذاء العالمي-في نوفمبر ٢٠١٥، على عدم قدرتها على مواصلة تقديم الدعم الغذائي لاكثر من ١٢٢ ألف نازح في دارفور نسبة لتصاعد وتيرة العنف في الإقليم.
ان اعلان الحكومة عن نيتها المبيتة على تفكيك معسكرات النازحين في دارفور خلال هذا العام بالاضافة الي الحديث المتواصل عن المطالبة بخروج بعثة يوناميد يثير الكثير من القلق على وضع المدنيين. وسواء ان كان المجتمع الدولي يعاني من حالة من الارهاق فعلا بخصوص الاوضاع في دارفور او يسعى ببساطة الي التهرب من مسئولياته الانسانية والتزاماته بخصوص الكارثة الإنسانية في الإقليم، فان ذلك لن يدفن حقيقة الوضع الكارثي المتفاقم في المنطقة، واستمرار المجتمع الدولي في التعاطي مع هذا الخطاب يجعله مشاركا في التمهيد لجرائم جديدة ترتكبها الحكومة وميلشياتها ضد المدنيين.
والخطر الآخر الذي يلوح في الافق مرتبطا مع تصاعد الخطاب الحكومي حول خروج يوناميد من دارفور في الوقت الحالي يتمثل في اعلان الحكومة السودانية عن نيتها لتنظيم الاستفتاء الاداري حول وضعية دارفور في أبريل المقبل. ويختص هذا الاستفتاء بالتقرير بشان الوضع الاقليمي لدارفور كاقليم واحد او عدة ولايات كما هو ماثل الان. ان خروج بعثة يوناميد في هذا الوقت يسمح للحكومة بتغيير الخارطة السكانية في الاقليم عبر تنفيذ خطتها بتفكيك معسكرات النازحين قبل قيام الاستفتاء للتلاعب في نتائجه في ظل غياب كامل او ضعف شديد للرقابة الدولية التي ستقوم بها يوناميد.
فمطلب الإقليم الواحد لدارفور هو قضية سياسية وفي قلب عملية السلام النهائي والعادل، كما يمثل مطلب شعبي واسع الانتشار وسط مواطنيّ الاقليم، وتتبناه غالبية القوى السياسية ذات العمق الاجتماعي والوجود الحقيقي في الإقليم. وهو مطلب يقف في مواجه مسعي ومنهج الحكومة في تقسيم الاقليم الي عدد من الولايات على اساس اثني، يسمح باستيطان القادمين من خارج السودان من المليشيات الداعمة للحكومة. وبهذا المنهج والمسعي في تقسيم دارفور تعمل الحكومة السودانية وحزبها الحاكم، المؤتمر الوطني، على المحافظة على هيمنتها ونفوذها في المنطقة، وبما يحول دون تحقيق عدالة السلام والمشاركة السياسية والتنمية.
توصيات
المجموعة السودانية للديموقراطية اولاً، وعلى ضوء العوامل والتحليلات السابقة، وبصورة خاصة العنف المتزايد والمآسة الانسانية المستمرة والمتجددة في دارفور، فانها تطالب مجلس الامن الدولي ومجلس السلم والامن الافريقي بالنظر والتعامل الايجابي مع التوصيات التالية:
تفعيل دور البعثة المشتركة (يوناميد) كبعثة لحفظ سلام، وكوسيط مسهل في عملية صناعة السلام، مع التركيز على تدعيم مهامها في حماية المدنيين. فبالرغم من الانتقادات المستمرة التي وجهت للبعثة، الا ان غيابها الكامل سيؤدي الي نتائج كارثية على اوضاع وحماية المدنيين. فيجب زيادة فعالية البعثة بتزويدها بالمعدات الكافية -خصوصا الطائرات ومعدات الحماية الجوية، بالاضافة الى اظهار وتقديم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي للدعم السياسي الكافي للبعثة وبما يمكينها من اداء مهامها على الوجه الأمثل.
ادعاءات السلام والاستقرار في دارفور ليست اكاذيب واوهام تسوق لها الحكومة السودانية لا تستند على اي حقائق في الواقع، وتتعارض مع التقارير المستقلة -بما فيها وكالات الأمم المتحدة الاخيرة- التي تؤثق للتدهور المستمر للأوضاع في دارفور. ان التسليم بهذه الادعاءات الحكومية يمهد الطريق لارتكاب المزيد من الجرائم ضد المدنيين من قبل القوات الحكومية ومليشياتها في حالة غياب الدور الرقابي لبعثة يوناميد. والشاهد على بروز اي فرصة حقيقية لتحقيق سلام دائم وعادل في دارفور يتطلب بالضرورة وجود وفاعلية بعثة لحفظ السلام.
اهمية مشاركة كافة الأطراف المعنية بالصراع في دارفور في التنسيق واتخاذ القرارات السياسية الكبرى بشان بعثة يوناميد ضمن قائمة أولويات اعادة تفعيل ادوام البعثة. فالآلية الثلاثية الحالية( الامم المتحدة، الاتحاد الافريقي والحكومة السودانية) لا تشمل مشاركة القوى السياسية ذات القاعدة الاجتماعية الواسعة والحقيقية في دارفور، والقيادات الاهلية من ممثلي مجتمعات ضحايا الحرب من النازحين. وانعدام هكذا تمثيل يعتبر احد اوجه القصور الرئيسية التي تحد من فعالية بعثة يوناميد وتاثر على عملية صناعة القرار فيها بهيمنة وجهة النظر الحكومية.
إنهاء حالة إغلاق منافذ ومسارات الاغاثة الانسانية والتحكم في عملياتها من قبل الحكومة السودانية. ففي العام ٢٠٠٨ قامت السلطات الحكومية بطرد عدد من منظمات العون الانساني العالمية التي كانت تقدم الغوث لنحو ٨٠٪‏ من متضرري الحرب، ومنذها اصبحت ادارة العملية الانسانية تحت الرقابة والهيمنة الامنية الحكومية التامة. ان موجات النزوح المتزايدة، خاصة بعد الهجمات الحكومية الاخيرة في جبل مرة وخطر المجاعة الذي يهدد الاقليم يتطلب من كل الهيئات الدولية ممارسة الضغوط الكافية على الحكومة السودانية بغرض ايصال المساعدات الانسانية بواسطة المنظمات العالمية بصورة كاملة ودون شروط او قيود.
[1] بيان من يوناميد بتاريخ 17 يناير 2016.
[2] بيان من يوناميد بتاريخ 11 يناير 2016
[3] التقرير الأسبوعي لاوتشا (عدد 51) للفترة بين 14 الي 20 ديسمبر 2015
4 تقرير اليونسيف عن الوضع الإنساني في السودان-ديسمبر 2015
تقرير: أعدته المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً
أكمل القراءه

لا أحد يدفع ضرائب

“أضحوا كقيل ابن عمرو في عشيرته/ إذا أهلكت بالذي سدّى لها عاد”، وحين تتأمل الذين صاروا محل رأي واستشارة في هذه البلاد، تتذكر أقوال شاعر اليمن (الأفوه الأودي) كلها، خاصة ذاك الذي أوردناه أعلاه. 
و(قيل ابن عمرو) ناصح ومستشار لملك يمني قديم، يقال إنه كان يشير إليه بأمور ما إن تورد البلاد والعباد التهلكة حتى يتراجع عنها وينكرها، فصار مضربًا للمثل لكل من يؤتي به لأخذ رأيه في الأمور العامة والخاصة باعتباره (مستشارًا وحكيمًا) وهو غبي لئيم، وهكذا فالناظر إلى حال البلاد يجد أرتالًا من هؤلاء يزجون مشوراتهم الخائبة ويتحدثون خُطبهم البائرة، فيما أهل الرأي السديد والخيِّر، لا يكاد أحدًا ينتبه لوجودهم.
ولأنه دومًا “تبقى الأمور بأهل الرّأي ما صلحت”، فإنها بالضرورة ما أن تتولّى ف “بالأشرار تنقاد”، ومن مقولات الأشرار التي ظلت تُنتج على مدى عقود، أن بعض شركات القطاع الخاص، ما إن ترفع أسعار سلعها التافهة وخدماتها الرديئة الوضيعة، حتى تصرخ في أذن الحكومة والمواطن “نحن ندفع للحكومة الضرائب، والمواطن لو ما عايز خدمتنا يتخارج”، حتى تظنهم وقد أضحوا بالفعل كقيل ابن عمرو في عشيرته، ويا ليتهم كانوا مثله، يا ليتهم بلغوا أفق كتفيه، فهم أدنى وأكثر (رخوًا)، إذ أن قيل كان عندما تهلك عشيرته بما اسداه له من نصح عاد عنه، أما هؤلاء فيصرون على أن لا يعودوا عن أفعالهم أو أقوالهم التي لا قيمة لها.
بطبيعة الحال، فإن الهرج حين يبلغ ذروته يأتي أي أحد ليعرض بأي قول لأن الناس (من يخاطبهم من الناس) على الأقل، هم في (ظنه) السيئ طبعًا، لا يفهمون، عاجزون عقليًا، فيما الحقيقة أنه ذلك الرجل.
يقولون بعضهم، نحن ندفع ضرائب للحكومة، لااااااا. أنتم لا تدفعون فلساً واحدًا للحكومة، فقط تتربحون من هذا الشعب بطرق مباشرة وغير مباشرة، وعندما تفرض تفرض عليكم الحكومة (ضريبتها)، تضيفونها على السلعة أو الخدمة – ربما مضاعفة – ليدفعها عنكم المستهلك الأخير، كل أنواع الضرائب يدفعها المستهلك الأخير حتى ضريبة القيمة المضافة.
والحال هذه، فإن المنتجين والمُصنعين والبائعين لا يضعون أسعارًا للسلع والخدمات إلا بعد أن يضيفوا إليها كافة الرسوم والضرائب والجبايات والزكاة والقيمة المضافة، وبالتالي فإن من يشتريها للاستخدام الشخصي المباشر (المشتري الأخير) هو دافع الضرائب الحقيقي نيابة عن كل التجار والرأسماليين والشركات التي تعوي ليل ونهار وترطن (ضرائب ضرائب دفعنا الضرائب)، فلا أحد يدفع ضرائب في هذه البلاد غير (الغلبانين والفقراء).
 
أكمل القراءه

التحول الديمقراطي وبسط الحريات في ظل الإنقاذ الممكن والمستحيل

في عام تسعة وثمانين وتمهيدا لانقلاب الجبهة القومية الإسلامية على النظام الديمقراطي انطلقت حملة شعواء قادتها صحف جماعة الإسلاميين لتسفيه النظام الديمقراطي وتضخيم الخلافات بين الأحزاب وتعميق الازمات وترويج شعار العذاب ولا الأحزاب لتمرير مؤامرة الانقلاب وقد اعترف لاحقا وبعد ربع قرن من انقلاب الإنقاذ عدد من الكوادر القيادية التي قادت عملية تشويه النظام الديمقراطي بفداحة الخطأ الذي ارتكبوه بعد أن تبينت لهم سوءات الإنقاذ فيما بعد مقارنة بماكان عليه الوضع في السابق ومنهم من أعترف بأن الانقلاب فوت فرصة تاريخية لبناء نظام ديمقراطي تراكمي تتناقص أخطائه تدريجيا ويعالج امراضه تلقائيا ويتيح الفرصة للناخبين بحرية لتغيير حكامهم كل اربع سنوات . لم يكونوا يعلموا بالطبع أنهم لايستطيعون في حال النظام الانقلابي تغيير حكامهم بعد أكثر من ربع قرن . وأنهم لن يستطيعوا إيقاف ومصادرة الصحف وتوجيه الاعلام وأنهم لن يتمكنوا من تناول قضايا الفساد بقرار السلطات الأمنية إلى آخر القائمة. 

كان الهدف في تلك المرحلة هو اغتيال الديمقراطية وتيئيس المواطنين من أي خير فيها تمهيدا للانقلاب واغتيال أي أمل في تطور النظام الديمقراطي ونجحوا في ذلك الانقلاب بحكم طبيعة النظام الديمقراطي الذي يتيح حريات واسعة استغلت للإطاحة به باسم القوات المسلحة التي أذيع البيان الأول باسمها والتي هي في الواقع من يفترض أنها ستحمي النظام الديمقراطي والدستور .
كثيرون بالطبع يعلمون عن تفاصيل خدعة انقلاب الإنقاذ تحت شعار مسرحية " أن يذهب الترابي للسجن حبيسا وأن يذهب البشير للقصر رئيسا " وقد كتب كثيرون عن تفاصيل استغلال اسم القوات المسلحة وتمرير الانقلاب حتى اصبح امرا واقعا قبل أن تواجه القوات المسلحة نفسها بعمليات تصفية كبيرة طالت الضباط الوطنيين وطالت المؤسة العسكرية القومية الأولى في البلاد تحت شعارات التمكين التي طالت مؤسسات أخرى عديدة .
مضت الآن سنوات عديدة تجاوزت الربع قرن على هيمنة الإسلاميين على الحكم دون حسيب او رقيب بكل تفاصيلة وتسنى لهم بحكم طبيعة الشعب السوداني المسالمة مالم يتسنى لغيرهم من الإسلاميين في البلدان الأخرى ولعل قصص وقضايا الفساد واستغلال النفوذ واستباحة المال العام وموارد الدولة وتحويل الدولة إلى حزب متحكم في الزاد والزناد تمثل العناوين الرئيسية لهذه الفترة التي غمرها الفشل بكل معانيه .
وضيع اسلاميو السودان على انفسهم فرصة نادرة لن تتعوض مرة أخرى في بناء تجربة جديدة تحقق الحرية والتنمية وتحافظ على حقوق الانسان لتبرير انقلابهم وليحتذوا بالتجربة الماليزية أو التجربة التركية لكنهم 1هبوا عكس ذلك تماما بل كانوا أقرب في بداياتهم بالطالبانية قبل ان ينتهي بعض رموزها إلى مجموعات طفيلية تزاوج بين السلطة والنفوذ والفساد على نحو مانشاهد ونرى مما تفيض به الصحف وتكشف عنه المواقع الإخبارية.
وبعد مرور مياه كثيرة تحت جسر الإنقاذ بكل قراءاتها ينظر الكثيرون سواء من المعارضين أو المراقبين أو المتفرجين وحتى من قيادات داخل الحزب الحاكم بشيء من الشك والريبة إلى مستقبل مخرجات الحوار الوطني الجاري حاليا بشكله المنقوص والسطحي باعتباره تلبية لرغبات النظام في تجديد شرعيته ، أكثر من كونه رؤية شاملة لحل أزمات البلاد الأمنية والاقتصادية والسياسية تحقق تنازلا جوهريا للنظام عن سياساته الآحادية بحجة ان رئيس النظام هو من تفضل باتاحة الحوار على الاخرين الذين عجزوا عن إحداث التغيير كمايرى اعلام الحزب الحاكم .
غير أنه لن يكون ممكنا من الناحية العملية في ظل بنية النظام الفكرية والقانونية والأمنية والإقتصادية الحالية التي تسيطر على مقاليد الدولة إحداث أي تغيير جذري أو تحول ديمقراطي حقيقي يعيد الدولة إلى حضن الوطن بعد أكثر من ربع قرن من سيطرة الإنقاذ وتحولها إلى مجموعات نفوذ ومراكز قوى سياسية واقتصادية لن تسمح باي مساس بمصالحها التي حققتها في غياب القانون والمساءلة .
أما سياسيا فقد رأينا كيف تم استدعاء النواب الذين رفضوا زيادة أسعار الغاز وطالبوا بمثول وزير المالية للاستجواب وكيف تم حملهم من قبل الحزب الحاكم على سحب أسمائهم من قائمة المطالبين بالاستجواب ، ثم كيف ألغى رئيس الجمهورية إرادة برلمانه من خلال تصريحاته بأن لاتراجع عن الزيادة حيث اصبح التراجع هو للبرلمان الذي ظن بعض نوابه أنهم نواب في برلمان ديمقراطي وصدقوا أنهم منتخبون بإرادة ناخبيهم وليس بإرادة حزبهم الحاكم .
التحول الديمقراطي في ظل هيمنة الحزب الحاكم على مفاصل الدولة ومؤسساتها الاقتصادية والتنفيذية والسيادية والإعلامية والقانونية والأمنية والحوارية عين المستحيل . بل ان الممكن فقط هو أن يختار الحزب الحاكم من أي مخرجات حوارية يتم إعلانها تحت اشرافه بالطبع مايناسبه منها فالحريات هو من يحدد طبيعتها ومداها والقوانين هو من يفصلها حسب حاجته إليها والاقتصاد هو من يتحكم في سياساته وتنفيذها والأمن هو من يحدد كوادره وقياداته وصلاحياته والقوات المسلحة هو من يملك زمام أمرها وأنشطة الأحزاب المحاصرة أنشطتها وحركتها أصلا منذ ربع قرن حتى أصيبت بالروماتيزم هو من يحدد مدى خطرها على الأمن الوطني يسمح لمن يشاء ويمنع من يشاء حتى من يتسق معه هو وطني ومنتمي لتراب الوطن ومن يختلف معه هو مرتهن لقوى خارجية ولا يملك قراره .
في ضوء هذا الواقع ماهو مستقبل تحقيق التحول الديمقراطي وبسط الحريات في بلادنا في ظل منظومة النظام الحالي ومصالحه وحساباته ورؤيته لمفهوم التحول الديمقراطي ومفهوم ممارسة الحرية ومفهوم ممارسة النشاط الحزبي ومعايير تطبيق القوانين التي تتعارض مع حقوق يكفلها الدستور كل ذلك وفقا لمخرجات الحوار الوطني التي يرعاها النظام بغض النظر عن رؤية المعارضين لها ؟
 
أكمل القراءه

أين تكمن المشكلة؟!

(فضيحة) البرلمان الناشئة مؤخراً عن (مرمطته) في قضية رفع سعر الغاز تحتاج إلى نظر جديد يتجاوز الحديث المعلوم عن دوره كديكور أو كومبارس يجمل النظام الحاكم ويمنحه توصيفاً لا يختلف كثيراً عن إضافة ألمانيا الشيوعية قديماً صفة (الديمقراطية) إلى اسمها بالرغم من أنها تعبر عن أبشع النظم الديكتاتورية في العالم!.
دعونا نتجاوز ما حدث لننفذ إلى العلة الحقيقية محاولين أن نفكك جزئياتها لنصل إلى العلاج المعلوم للكافة، والذي ظللنا ندندن حوله ونحن نخوض غمار الحوار الوطني الذي يواجه من المطبات والعوائق (الجبلية) ما يحتاج إلى كل آليات الكسر والتسوية التي انتجها العقل البشري.
مشكلة المشاكل تتمثل في أن معظم نواب البرلمان ينتمون إلى الحزب الحاكم، ويعلمون عاقبة التمرد على قرارات الحكومة من خلال النظر الثاقب المصحوب بالخوف على فرص الترشح للدورة البرلمانية القادمة، فكم من (مشاغبين) خلال الدورة الماضية اقصوا جزاءً وفاقا لعدم انضباطهم تنظيمياً.
الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار الذي ساد مسيرتنا السياسية منذ الاستقلال والمتمثل في قصر فترات الحكم الديمقراطي وطول بقاء أنظمة الحكم العسكري، بدون الدخول في الأسباب التي أدت إلى ذلك، يعتبر العامل الأساسي في هذا السلوك غير الرشيد، سواء من الدولة أو من الأفراد، ولا أبرئ الأحزاب السياسية من تلك الكبوات التي أجهضت فترات الحكم الديمقراطي، فكما أن حزب الأمة تسبب في فتح شهية العسكر للانقضاض على الديمقراطية مما صعب من فطامهم بعد ذلك كان للجبهة الإسلامية القومية دور أعظم في الاجهاز على الديمقراطية بتوهم ساذج وخطأ تاريخي أن ذلك لا يعدو أن يكون محطة تصحيحية قصيرة تعود البلاد بعدها إلى المسار الديمقراطي بعد أن عولت على افتراض سطحي ساذج بأن الولاء والالتزام التنظيمي (المدني) يعلو ويسود على الولاء الشخصي أو (العسكري)!.
الأمانة تقتضي أن أشهد هنا أن مشكلة الجنوب كان كذلك لها دور كبير في الاضطراب الذي اكتنف مسيرة السودان السياسية، ولا أشك لحظة في أن الإنجليز ما زرعوا شوكة الجنوب في خاصرة السودان إلا ليعطلوا انطلاقه سيما وأن التمرد انفجر عام 1955 قبل أن يخرجوا من السودان، واستمر خلال فترات الحكم الديمقراطي والعسكري وحتى الفترة التي أعقبت إبرام اتفاقية أديس أبابا عام 1972 والتي امتدت حتى عام 1983 حين اندلع تمرد قرنق لم تخل من المناوشات المستمرة والتي وثقها اللواء صديق البنا في كتابه (الجنوب.. معضلة الأمن القومي السوداني).
أقول إن (جليطة) البرلمان الأخيرة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، وكما أنه من المستحيل أن تجني من الشوك العنب، فإن البرلمان الحالي لن يكون رقيباً على الجهاز التنفيذي في ظل الوضع السياسي القائم الآن، ولا ينبغي من الآن فصاعداً أن نعوّل عليه أو نوليه اهتماماً، فقد سقط في نظري إلى القاع (والفيهو انعرفت) ولا نحتاج إلى مزيد من البينات!.
يحمد لفضيحة البرلمان الأخيرة أنها كشفت تحت الأضواء الساطعة عمق أزمة الوطن التي احترنا ورب الكعبة في كيفية التعامل معها، فها هو الحوار يتمخض عن فار مريض بعد أن (كنكشت) الحكومة في خياراتها التي تعلم يقيناً أنها لن تحدث تغييراً حقيقياً مهما تطاول الزمن ما لم تقدم على التعامل بجدية مع القوى والأحزاب السياسية الحقيقية والحركات المسلحة المعروفة محلياً وخارجياً، وأعجب أن (تعصلج وتوحل وتغرق في شبر موية) برفضها اللقاء التحضيري الممهد للحوار الداخلي، وكان من الممكن أن تتجاوز تلك العقبة الصغيرة لتحقق الاختراق المطلوب، فو الله لن تجدنا داخل اللقاء التحضيري وفي الحوار الداخلي اللاحق أقرب إلى الحركات المسلحة من قربنا إليها، فمم تخاف وتعطل خطوة كان من الممكن أن تنقل البلاد إلى مربع جديد ينهي حالة البؤس التي تهيمن على وطننا المأزوم؟
لا ينبغي للحكومة أن تتوهم أن الكرة في مرمى المعارضة مهما بلغ ضعفها، وتتجاهل أنها في الحقيقة في مرماها كونها هي المواجهة بالأزمات الاقتصادية المتزايدة والمتصاعدة التي تخصم كل يوم من رصيدها في الشارع، كما أن رصيدها الخارجي من حيث علاقاتها الدولية مع أمريكا وما يسمى بالمجتمع الدولي في حالة بائسة وليتها تعلم أن الشارع آخذ في الغليان الذي يتزايد كل يوم، فهل تستمر في العناد كما فعل السابقون الذين ما عضوا أصابع الندم إلا بعد فوات الأوان؟!.
أكمل القراءه

*هلْ يلحقُ اقتراحُ تعديلِِ قانون جهاز الأمن الوطني بسعر الغازِ؟!


كلمة الميدان 4/2/2016
التعديلات في الدستور وقانون جهاز الأمن الوطني التي اقترحتها لجنة الحريات في ما يسمى بمؤتمر الحوار الوطني والقاضية بإلغاء المادة 25 الخاصة بمراعاة تحويل السلطات وتوزيعها بين مختلف مستويات الحكم بما فيها حكومة الجنوب والولايات. والمادة (50) التي تختص بالسلطة التنفيذية القومية واختصاصاتها. والمادة (52) المتعلقة برئيس الجمهورية والمادة (83) الخاصة بتكوين الهيئة التشريعية القومية.
هذه التعديلات سنتطرق إليها بالتعليق فيما بعد،بالرغم من موقفنا الواضح من الحوار الذي يجري حالياً . أما الآن فسنركِّز على التعديل المقترح على قانون جهاز الأمن.
التعديل المقترح يلغي سلطات الأمن في التفتيش والحجز والقبض والاعتقال. كذلك إلغاء الحصانات الممنوحة لأعضاء جهاز الأمن. وأن تنحصر مهمة الجهاز في جمع المعلومات. وهي خطوةٌ إيجابيةٌ ندعمها بقوة.
هذا التعديل المقترح هو ما نص عليه دستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2005م، والتي تنص المادة (150) بند (3) منه على: ( تكون خدمة جهاز الأمن الوطني خدمة مهنية وتركز في مهامها على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشُورة للسلطات المعنية ).
لقد بَحَّ صوت المعارضة المطالب بتنفيذ ما جاء في الدستور حول دور جهاز الأمن. إلا أن مطالبتها ضُرِبت به عرض الحائط وجُمِّد تطبيق هذه المادة مثلها مثل المواد المهملة الأخرى في الدستور والتي أصبحت في نهاية المطاف (قضايا عالقة) وتسبب العديد منها في انفصال الجنوب. أكثر من ذلك تم تعديل هذه المادة ووضع قانون جديد للجهاز يسُدُّ كل مسارب الديمقراطية التي منحها الدستور وأصبح الجهاز بفضلها يمتلك سلطات لا تعلوا عليها حتى السلطات القضائية، بدليل ما يجري في المحاكم التى يبرئ فيها القضاء ساحة المتهم ويأمر بإطلاق سراحه ويعتقله جهاز الأمن في حوش المحكمة.
السؤال الذي يفرض نفسه وبإلحاحٍ زائدٍ بعد تجربة قرار سعر الغاز الذي مثَّل لطمةً داويةً للمؤسسات الدستورية/التشريعية والقائمين عليها ونوابها، هل سيصمد هذا الاقتراح أمام سلطة الفرد الواحد والحزب الواحد وسلطة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة المعادية بطبعها وتكوينها وأهدافها للديمقراطية؟! أم هو مصيدةٌ للمشاركة في الحوار؟
أكمل القراءه

نزيف هجرة الأطباء.. الحلول بيدكم


المفارقات، في هذا البلد لم تعد تدهش أحداً لكن تزامنها هو، المؤلم حقاً.. تزامن ترحيب وزارة الصحة برغبة دولة الكويت الشقيقة في التعاقد مع أطباء سودانيين بمختلف التخصصات الطبية في نفس اليوم الذي تصرخ فيه وزارة الصحة نفسها وتقول إن مستشفيات السودان الولائية خالية من الأطباء والأجهزة المتطورة، وتتحدث الأخبار عن نقص حاد في الأطباء العموميين والكوادر المساعدة في الولايات ..!
ولا تحتاج صحف الأربعاء إلى أكثر من وضع هذين العنوانين المتنافرين بجوار بعضهما غصباً وعنوة بأمر تزامن المفارقة.
القضية فعلا ًمعقدة، فمثلما نستنكر إجراءات وزارة الصحة في منع الأطباء من الهجرة ومحاولة تقييد حريتهم ووضعهم في ما يشبه الإقامة الجبرية ونعتبر ذلك أمراً يمس حقهم الطبيعي في تحديد خياراتهم في العمل حيثما يسهل الله لهم رزقهم، فإننا في نفس الوقت لا نعتبر نزيف هجرة الأطباء في مثل هذه الظروف أمراً طبيعياً بأي حال من الأحوال، فالوزارة التي تحتاج في مستشفياتها للأطباء والاختصاصيين وقد تضطر لاستقدامهم واستيرادهم من الخارج كما تستورد البلاد كل شيء، من الواجب على هذه الوزارة أن تبحث عن سبيل لتحقيق استقرار نسبي لهذه الشريحة المهنية ومراجعة أجورهم بشكل جاد والعمل على الاحتفاظ بمن تحتاجهم البلاد من الاختصاصيين السودانيين للعمل في بلدهم فليست الهجرة والعيش بعيداً عن الوطن هو الخيار الأول لأي شخص لو توفرت له وضعية لا نقول مماثلة للوضعية المادية التي قد تتوفر له في المهجر لكن على الأقل وفروا له ما يعادل ربع ما يحصل عليه خارج الوطن .
فأحلام السودانيين في سنوات الهجرة الأولى تكون محصورة ومحدودة في تحقيق وضع معيشي مستقر لهم وحد معقول من احتياجات الحياة لكنهم وبعد أن يمضوا سنوات طويلة في المهاجر قد تتعقد عند الكثير منهم شروط العودة للوطن مهما كانت المغريات، ولذلك ليس مستحيلا ًعلى الحكومة أن تحافظ على بقاء النسبة التي تغطي احتياجات الولايات من تلك الكوادر التي تتوفر لها فرص ساخنة للعمل في الخارج ..
وجود الطبيب الاختصاصي في أي مستشفى ولائي في مدينة من مدن السودان ودوره لا يقل أهمية عن دور الموظف الدستوري الأول في تلك المدينة أو تلك المحافظة، فهل عجزت الحكومة يوماً من الأيام عن توفير وزير أو معتمد لأي محلية في السودان..؟ الإجابة لا..
إذن الحكومة لن تعجز عن تحقيق ذلك لو سعت جاهدة لتحقيقه، فنحن نعرف أن الحكومة كانت في وقت من الأوقات تتعاقد مع كوادر سودانية فنية في مجالات مختلفة بصفات تنفيذية واستشارية وتدفع لهم ما تدفع. وتواجه بانتقادات من البعض لمثل هذه العقودات لأن فائدتها لا تكون مباشرة وملموسة بالنسبة للمواطن لكن مهما دفعت لاختصاصيين ومهما صرفت من أموال في الخدمات الصحية فإنه لن يقف مواطن ويحتج على ذلك فتلك خدمات أساسية للمواطنين فصحة المواطن هي أغلى ما عنده .
أكمل القراءه

الامم المتحدة : 34 قرية بشمال دارفور تعرضت لهجمات خلال الشهر الحالي



قالت مفوضیة العون الإنساني الحكومیة وزعماء محليون ان الھجمات التي شنت على 34 قریة، بمحلية كتم، بولاية شمال دارفور، أسفرت عن حرق 14 قرية ونهب 20 قرية وفرار 10 آلاف شخص.

وأشار مكتب تنسيق الشؤون الانسانية، التابع للامم المتحدة بالخرطوم، في تقرير نشره، اليوم الأحد، ان مفوضية العون الانساني الحكومية وقادة مجتمع، في كتم، افادوا بتعرض 24 قرية بالمحلية، جراء تعرضها للهجمات.

وأشار المكتب الاممي، الى ان حوالي 10 آلاف فروا من قرى بمحلية كتم، بحاجة ماسة إلى المأوى والغذاء بعد ان احتموا بالجبال. وتابع ” قتل خمسة أشخاص خلال الھجوم وجرى إحراق 14 قریة ونھبت 20 قرية ونفذت الهجمات، مطلع ديسمبر الحالي حتى الخامس منه”.

واوضح التقرير بأن منظمات الإغاثة تخطط لزیارة المنطقة، اواخر الشهر الحالي، لإجراء تقییم مشترك بین القرى التي تعرضت للهجمات.

ولم يورد التقرير الصادر عن مكتب الشؤون الانسانية بالامم المتحدة في الخرطوم الجهات التي شنت الهجمات على تلك القرى.
أكمل القراءه

الاغتصاب الجماعى الاخير فى دارفور

ظللت ليومين متتالين مصدوما ومقهورا لا استطيع التفكير بشكل سوى ولا الكلام بالمعنى المفهوم، غير ما تقتضيه الضرورة وفى اطار عائلتى الصغيرة فقط ، وسبب الصدمة هو ما تناقلته الانباء من اقبال كامل افراد حامية " تابت العسكرية الحكومية " فى شمال دارفور ، - وبتوجيهات مباشرة من قيادة الحامية - على اقتحام القرية وافراغها اولا من كل الرجال بعد ضربهم وإذلالهم وسحبهم خارج القرية وتجميعهم فى وادى بحراسة قوة مسلحة ، ومن ثم توجيه كل القوة العسكرية باستباحة القرية منزل .... منزل ...وضرب كبار السن من النساء والاطفال وفرز الفتيات واغتصابهن بشكل جماعى وامام افراد اسرهن ، مع استمرار العملية - حسب شهود العيان الذين تحدثوا لإذاعة دبنقا – من الثامنة مساء وحتى الرابعة من صبيحة اليوم التالى ، وعندها اطلق القائد "المسئول" صافرته ، ايذانا بانتهاء العملية "الجهادية " وخرج بعدها الجنود ، بل الذئاب البشرية من القرية متلطخين بدماء حرائر القرية ، وكانت حصيلة ضحايا الاغتصاب الجماعى حسب الحصر الاولى ، عبارة عن 8 تلميذات بمرحلة الاساس ، و72 فتاة قاصرة و105 فتاة غير متزوجة تتراوح اعمارهن من 16 الى 25 سنة .
هنالك اسئلة كثيرة تطرح نفسها بإلحاح مع هذا الحادث البشع ، ولكنى اكتفى بطرح ثلاثة منها فقط ، واول هذه الاسئلة هى : ماذا اصاب مؤسسة الجيش السودانى ؟ وهل هِؤلاء فعلا قوات مسلحة تنتمى لنفس المؤسسة المعروفة سابقا ب (قوات الشعب المسلحة السودانية ) ؟
شخصيا اتفهم – ولا يمكن ان ابرر بالطبع - ان افرادا من قوة نظامية او مليشيات حكومية تقوم بعمليات اغتصاب ممنهجة ضد المدنيين ، ويمكن ان يتم ذلك بتوجيهات مباشرة من قائد او قيادات من هذه القوة النظامية ، كنوع من العقاب الجماعى لمجموعة عرقية معينة كما حصل كثيرا فى دارفور ، فى اطار الحرب بين الحركات الثورية وحكومة المؤتمر الوطنى ، ولكن ان يقوم قائد الحامية العسكرية بمنطقة تابت- وهى بالمناسبة قرية تقطنها قبائل متنوعة - بصرف النظر عن من يكون هذا القائد ، حتى ولو كان حميدتى ذات نفسه - بتوجيه كل القوة البالغة عددها حوالى 650 فرد ، وبصافرة عسكرية لتنفيذ عمليات اغتصاب جماعية تستمر من الثامنة مساء وحتى الرابعة صباحا ، ليقوم نفس القائد "المسئول " بإطلاق صافرة النهاية ، (وكأنه يدير مباراة لكرة القدم) ، لينسحب الجنود فى النهاية الى ثكناتهم مخلفين ورائهم هذا العدد الهائل من النساء المغتصبات ، كأول حادثة بهذا الحجم منذ اندلاع الحرب فى دار فور ، يعتبر مثل هذا الفعل فى منتهى الاجرام والتهور واللامبالاة بأدمية انسان دارفور .

السؤال الاستنكارى الثانى موجه لأهالى الضحايا من الرجال ونقول ماذا اصاب رجال دار فور ؟ ذُكرت فى الانباء ان اكثر من اربعمائة من الرجال قد تم اخراجهم من القرية وحبسهم على مدار الليل فى وادى بجوار القرية بحراسة مجموعة مسلحة من نفس الحامية ، وهؤلاء الرجال ظلوا طوال هذه الفترة يشاهدون من على البعد ويستمعون الى صرخات وصيحات زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم وهن ُيمارس عليهن الاغتصاب الجماعى على مدى ثمانى ساعات متصلة !
اننى لا ادعو بالطبع الى معركة مفتوحة وغير متكافئة بين رجال القرية العزل والقوة المسلحة التى تحرسهم ، ولكن فى ظل مثل هذا الحادث الكارثى ، الا يوجد اشخاص او حتى شخص واحد من هذه المجموعة الكبيرة من الرجال يمكنه ان يسجل موقف رجولى وبطولى حتى ولو كلفه ذلك حياته ؟ ما قيمة الحياة ان تعيش فى بلدة هزت اركانها الاربعة صيحات اكثر من 200 من فتياتها ونسائها فى ليلة واحدة من ذئاب بشرية مثل هؤلاء ؟ قد يسأل سائل ويقول ماذا عساهم ان يفعلوا ؟ اجيب وأقول ان قهر الرجال يولد براكين الغضب وإلا لماذا نسمع دائما عن العمليات الانتحارية /الاستشهادية فى مناطق مختلفة من العالم ؟ وأحيل السائلين بهذا الخصوص الى حادثة القصر الجمهورى ليوم امس ، حيث هجم احد الابطال من ابناء جبال النوبة بسيف عادى على "ديديبانات" قصر "البشير " وانتزع سلاح احدهم وقتل منهم حارسين وهو يحاول شق طريقه الى حيث يجلس رئيس العصابة ( البشير) ولكن عاجلته بقية الحراسات بوابل من الرصاص الكثيف خلق هلعا حتى فى وسط تجار السوق الافرنجى القريب من القصر حيث سارع بعضهم الى قفل محلاته ، الامر الذى ادى الى استشهاد المهاجم فى الحال . مثل هذه العمليات رغم محدودية نتائجها والمخاطر العالية للقائمين بها ، إلا انها تحمل فى طياتها رمزية نضالية تحرض على مقاومة الظلم واستهداف رموزه ، الامر الذى يجعلهم يعيشون فى قلق دائم . ليس من السهل بالطبع ان يقدم الشخص على مثل هذا العمل البطولى الا بوجود اسباب قوية ، وحادثة "تابت "ليست استثناء من حيث قوة السبب ، ويمكن للشخص ان يتخيل بسهولة الظروف التى تقود شخصا من جبال النوبة هذه الايام الى مثل هذا العمل ، وفى البال الطلعات اليومية لطائرة الانتونوف التى تقذف القرى الامنة فى جبال النوبة وكذلك المناظر المؤلمة للأطفال والنساء والعجزة وهم يتخذون من كهوف الجبال مقرات لهم وذلك هربا من جحيم هذه الطائرات . اذا قام عدد محدود من رجال القرية (تابت ) بالهجوم المباغت على حراسهم سواء كان بسكاكينهم او عصيهم ربما يتمكنوا من قتل عدد منهم، وربما ذلك قد يلفت الانتباه ويقوم القائد المسئول باستدعاء جنوده المنتشرين بالقرية بصافرة ويقل بذلك عدد ضحايا الاغتصاب .
الرسالة او التساؤل الثالت هو لكشف الارتباك الذى اصاب الحكومة فى اطار محاولة انكار الجريمة كعادتها لمثل هذه الاحداث ، ولكن كل تصرفاتها وتصريحاتها المتناقضة اثبتت ان هذه الجريمة قد وقعت بالفعل من قبل حاميتها الموجودة بالبلدة ، ابتداء بذهاب قائد الحامية فى اليوم التالى والاعتذار عن (خطأ تم ارتكابه من قواته )لأهالى القرية وتقديم عرض لهم بحصر الضحايا لإرسالهم للعلاج بالمستشفى العسكرى بالفاشر ، ذلك العرض والاعتذار الذى تم رفضهما من قبل اهالى القرية ، يضاف الى ذلك رفض السلطات بالسماح لسلطات اليونايمد "الكسيحة " بالذهاب الى القرية لإجراء تحقيق ، وقد اعلنت اليوناميد بنفسها عن هذه الحادثة ، الامر الذى يضفى على الخبر بالمزيد من المصداقية . ولكن اكثر التصريحات المتناقضة جاءت من جهة معنية فى المقام الاول عن العدل وتحقيق العدالة وهى وزارة العدل الاتحادية ، ونورد هنا بالنص التصريحات المتناقضة من كل من وزير العدل مولانا محمد بشارة دوسة ومدعى جرائم دار فور السيد / ياسر احمد محمد ، ونورد بالنص مقطع كامل لتصريحات الوزير ومدعيه العام نقلا عن موقع سودانتريبيون ، وهو حسب الوارد ادناه :
(وقطع وزير العدل السوداني محمد بشارة دوسة بعدم تلقيهم اى معلومات حول تلك الحادثة وقال للصحفيين " لم نسمع بوجود اغتصاب جماعي او تحقيق من الامم المتحدة في الامر ،في وقت اكد مدعي جرائم دارفور ان تلك الانباء غير صحيحة .المدعي العام لجرائم دارفور، أحمد محمد وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة على مدي اليومين وقال مدعي جرائم دارفور ياسر احمد محمد ان وزير العدل محمد بشارة دوسة وجه بعد عودته من مؤتمر في خارج البلاد بسفر المدعي العام ياسر و معاونيه إلى منطقة تابت وأجراء تحريات ميدانية.وقال المدعى للمركز السوداني للخدمات الصحفية السبت انهم اجروا التحريات الميدانية للتحقق من الامر .وأضاف " تم التأكد من عدم صحة ما تم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الاذاعات المحلية. "وأبان انه اجرى اتصالات بالمسؤولين بالولاية وأكدوا خلو المنطقة من اي بلاغات في هذا الشأن.)
وقمة التناقض فى هذه التصريحات ان الوزير يؤكد عن عدم تلقيهم لاى معلومات عن الحادث ، وفى نفس الوقت يوجه مدعى جرائم دار فور بالسفر مع معاونيه الى موقع الحدث لإجراء تحقيقات ميدانية ، ويضفى المدعى العام لجرائم دار فور الامر المزيد من الغموض قبل السفر الى موقع الحادث وتنفيذ توجيهات الوزير ، وذلك بقوله انه تأكد من عدم صحة المعلومة بإجراء بسيط - ولكنه مستفز - وذلك باتصاله بمسئولى ولاية شمال دار فور والذين اكدوا بدورهم مشكورين (بخلو المنطقة من اى بلاغات فى هذا الشأن ) !! ماذا عسانا ان نقول امام هذا العبث بأمن المواطنين الابرياء غير ......يحيا العدل ......وانعموا يا اهل دار فور بالعدل والأمن ........الم يكن ابنكم الهمام وزير للعدل ؟!
نختم مقالنا بتساؤل اخير عن الدور السلبى والمخرب لابناء دار فور المنتمين للمؤتمر الوطنى او الدائرين فى فلكه ، والسيد وزير العدل منهم بالطبع ولكننا نكتفى بما قلنا فى حقه فى الفقرة اعلاه ونتجاوزه الى آخرين اقل قامة منه ولكنهم اكثر جعجعة ، وخاصة عندما ترتبط الامور بالحركات المسلحة ، ونكتفى ايضا بواحد فقط منهم ، وهو عكس وزير العدل ليس عضوا بالمؤتمر الوطنى ولكنه من " الملحقين " بهذا الحزب او الدائرين فى فلكه ، ونورد ادناه هذه المدونة من صفحته الخاصة بالفيس بوك والمضحك والمبكى فى الامر انه حاول التنصل عن المدونة عندما طالته الانتقادات اللاذعة ، وذلك بطريقة اعتقد انه يمكن بها استغفال القراء ولكن هيهات . كتب المذكور فى مدونته الاتى :
(ندين بكل قوة استخدام العنف الجنسى ضد النساء مثلما حدث مؤخرا فى منطقة تابت بشمال دار فور ، ايا كانت الجهة القائمة بذلك ، ولدينا معلومات صادمة بان من قام بذلك حركة غير موقعة وننتظر اجراء تحقيق مستقل لكشف الحقائق ...) انتهت المدونة.


كاتب هذه المدونة هو (للأسف) نهار عثمان نهار والمذكور هو من تجول كثيرا فى مشوار انتمائه للحركات المسلحة ، بدءً بالتحالف الفدرالى ، ثم حركة تحرير السودان بقيادة مناوى ، ثم حركة تحرير السودان بقيادة مصطفى تيراب المتحالف مع المؤتمر الوطنى ثم الانشقاق منها وتكوين حركة تحرير السودان القيادة الشبابية بقيادته ، والمتحالف ايضا مع المؤتمر الوطنى ، ثم فجأة ودون الكشف عن مصير الحركة الجديدة التى تزعمها وجدنا انه قد انتمى الى حركة جديدة منشقة من حركة العدل والمساواة السودانية ، والتى سمت نفسها بحركة العدل والمساواة بقيادة بخيت دبجو ، هذا سرد مختصر عن انتماءات نهار الماضية والحالية . نهار لم يفصح فى مدونته عن ماهية الحركة الغير الموقعة التى ارتكبت جريمة الاغتصاب الجماعى فى تابت فى انتظار (التحقيق المستقل ) كما قال ، ولكن الاحتمالات قد لا تتجاوز ثلاث حركات رئيسية فى الميدان ، اما ان يقصد باتهامه حركة تحرير السودان بقيادة مناوى او تحرير السودان بقيادة عبد الواحد او حركة العدل والمساواة السودانية المعروفة والتى يقودها الدكتور جبريل ابراهيم . ولكن السؤال الملح هو لماذا يبرأ نهار عثمان نهار من اشتهروا بمثل هذه الجرائم وهم – معروفون - القوات الحكومية ومليشياتها التابعة ؟ الاجابة ربما ، عندما لاحت فى الافق تحركات المجتمع الدولى وعلت الاصوات من هنا وهناك لإدانة الحكومة السودانية ازاء هذه الجريمة ، فان جهة معنية بهذه الجرائم قد اشارت الى نهار لتوجيه اصابع الاتهام الى جهات اخرى غير الحكومة ، لغرض تشتيت الانتباه ، ولكن المحير فى الامر ان الانسان ومهما ولغ فى الارتزاق ، لا يمكن ان يلغى عقله ، وإلا لكان نهار قد سأل نفسه على الاقل سؤالا واحدا قبل توجيه مثل هذا الاتهام ، وهو ان الحركات المسلحة ومنذ اندلاع الحرب منذ اكثر من عقد من الزمان وحتى الان لم ُتسجل ضدها حوادث اغتصاب معروفة ، هل هذه الحركات غيرت اخلاقها وسلوكها فقط بعد انسلاخ نهار عثمان نهار وانضمامه للحكومة ؟ نترك الاجابة لفطنة القارئ ولكننا نستعير من الكاتب الشاب عثمان شبونة عبارته الختامية المعروفة ونقول .....أعوذ بالله
أكمل القراءه

المعارضة المسلحة والانقلابات العسكرية

مضت اربعة عقود من عمر التسويات السياسية في السودان (2012 – 1972) منذ أن فرضت الحرب الأهلية أجندتها واقعاً أمام ضيق الافق السياسي للأنظمة والقوي السياسية التي عقمت عن تقديم حلول جذري

ة لقضايا وطن ولد مشلول نصفياً و يعاني عاهة مستديمة.
القدرة علي التحليل السياسي المتجرد من أجل المصلحة العليا ظلت في حالة سبات عميق لم تيقظها منه حفلات الصراخ العاطفي و الفكر المصاب بتشوهات نفسية. بعد تجارب حرب طويلة الامد ظن بعض أنصاف الساسة أن انفصال الجنوب هو بتر للنصف المشلول من الوطن لكي يستمر الشمال معافى من أمراض السياسة العضالة ليكتشفوا لأحقاً أن ما تبقي من الوطن ليس سوي شبح وطن يلفظ أنفاسه الاخيرة. أخفاقات متراكمة في طرح الحلول والالتزام بنتائجها تتحمل عبئها مختلف الانظمة المتعاقبة علي سدة الحكم خلال 40 عاماً مضت دون بلوغ الحد الادنى من تطلعات جماهير الشعب السوداني في الوصول الي سلام دائم يحقن دماء أبناءه ويوقف حرب الاستنزاف اللعينة. عقود من الحراك السياسي المترهل ظلت البطولة المطلقة فيه لأنظمة تعاني قصوراً في مسؤولياتها الوطنية, تقاسمتها معهم حركات مسلحة ظلت تكذب شعاراتها إذ تقدم رؤى ومطالب سياسية قومية التوجه ثم تتبعها بممارسات متمترسة جغرافياً مهزومة في انتمائها الوطني وفق معادلة الجزء في مقابل الكل.
الحصاد السياسي لتجربة المعارضة المسلحة والانقلابات العسكرية في السودان:
تجربة المعارضة المسلحة والانقلابات العسكرية ممارسة حاضرة بقوة علي مدي الـ57 عاماً الماضية من عمر الدولة السودانية. بالرغم من منطقيتها في ظل غياب الديمقراطية و منهج العنف المؤسسي من قبل الدولة المركزية وغياب الرغبة الاكيدة في الحوار إلا ان تلك التجارب في الغالب الاعم فرضت أجندتها السياسية و احتكرت الحلول السياسية المتفاوض عليها دون أن تترك للشعب مساحة للمشاركة في الحوار السياسي أو في تنفيذ برتوكولات الحلول السياسية, أو حتي في إعطاءه مساحة لتغليب خيار الثورة الجماهيرية الحقيقية التي تقوم علي أدوات معارضة بديلة تقوم علي أساس المبادئ السلمية لحكم الشعب والتداول السلمي السلطة.
أولاً: الانقلابات العسكرية: سوف لن أركز كثيراً علي الانقلابات السياسية كموضوع للمقال كون ان الشعب السوداني وقواه المدنية بمختلف توجهاتها قد رفضت وظلت ترفض بوعي تام منهج الانقلابات العسكرية كمخرج من الازمات السياسية في السودان. فالانقلابات كفعل لتغيير الانظمة عبر وسائل عسكرية لأجل الاستيلاء علي السلطة بالقوة تنتهي في الغالب الاعم الي تحقيق مصالح شخصية و ذاتية لا تمت لقضايا الجماهير بصلة ولا تحقق مكاسب سياسية جماهيرية علي الاطلاق. ليس ذلك فحسب ، بل أن الانقلابات العسكرية كحالة سرقة علنية للشعب والوطن ، أصبحت غير مرحب بها عالمياً لمعاداتها للقيم والأعراف الانسانية و الديمقراطية. فقد شهدت مواقف الدول العظمي تراجعاً كبيراً عن مساندة الانقلابات العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة و القطبية الثنائية. حيث كانت الاقطاب العظمي المتصارعة – فيما مضى - ترعي تلك الانقلابات و تسعي لصبغها أيدلوجياً في محاولات للبحث عن حلفاء في الاصقاع البعيدة من العالم الثالث.
التراكم الثقافي للوعي الانساني لا يجد مبرراً كافياً الان للوقوف خلف الانقلابات العسكرية ومساندتها بعد ان انتهت الحرب الباردة و تغير وعي العالم من الحرب المادية الي التنافس الاقتصادي و التكنولوجي. حتى المساندات الخجولة التي كانت تتلقاها الديكتاتوريات من العالم الاول في تجارب مصر و باكستان وليبيا والعراق و اليمن انتهت سريعاً الي تحولات درامية في آخر فصول تلك الانظمة. تصاعد أنشطة اللوبيات وجماعات الضغط والمنظمات الحقوقية كان عاملاً حاسماً في محاصرة الانظمة الانقلابية وتجريمها أخلاقياً و خنقها ومحاصرتها عالمياً. حيث أصبحت الانقلابات السياسية في عالم اليوم وفق المبادئ الديمقراطية الليبرالية الراسخة واحدة من الجرائم الاخلاقية للأنظمة وواحدة من التعديات السافرة علي الحق القانوني و العرفي للشعب وفق الاعلان العالمي لحقوق الانسان و الكثير من الاعراف و المعاهدات والالتزامات الدولية تجاه الانسانية.
الانقلابات العسكرية في السياق السوداني عبارة عن مؤامرات أبطالها دُمي عسكرية يحركها قادة سياسيون من وراء الكواليس. كانت معظمها لا تعدو كونها التفافات غبية حول الديمقراطية وطعن جبان علي خاصرة الحريات العامة تتحمل وزره القوي السياسية "الصفرية" وقياداتها. في السودان تورطت معظم القوي السياسية في لعبة "اصطياد" السلطة عبر "العسكر" في مغامرات صبيانية هدفها التشفي وحسم الصراعات الشخصية والأسرية في "مسرحيات عرائس" سمجة وركيكة يذهب أبطالها الحقيقيون الي المعتقلات السياسية قبل "البيان الاول" ثم يخرجوا للشعب كأفاعي الظلام لاحقاً. انتهت معظم عمليات "القنيص السياسي" عبر العسكر الي إنقلابات عكسية تنكر فيها الجنرالات للساسة حين "عضوا"، في كثير من المناسبات, الايادي التي أعدت لهم مائدة "العشاء الأخير تطبيقاً عملياً لانقلاب "السحر علي الساحر".
تنتهي عمليات الانقلاب العكسي عادة بدفاع فضفاض من شاكلة "شرف لا ندعيه وتهمة لا ننكرها" أو في صياغ تبريري مثل "السلطة مفسدة" أو وفق قصة بوليسية من قبيل "أذهب للقصر رئيساً و سأذهب للسجن حبيساً" وفق منطق تبرير سياسي لأحزاب "صفرية" متنكرة للديمقراطية وقيّمها. و الجدير بالذكر هنا هو ان القوي السياسية "الصفرية" الحاضنة للجنرالات و انقلاباتهم هي التي تتقدم ركب المناحة علي الديمقراطية والحريات حال حدوث انقلاب عكسي عليها حين تتصاعد شهوة العسكر وشغفهم المجنون بالسلطة و التسلط. يكفنا حديثاً عن الانقلابات العسكرية و من يقفون خلفها أن الشعب قام برفضها عملياً حين خرج عليها في انتفاضتين شعبيتين (أكتوبر/أبريل) أنهت حكم العسكر ورمته الي مزابل التاريخ في ملاحم أظهرت بطولات وعزيمة الشعب السوداني في الانتفاض ضد الظلم و القهر و الاخفاق السياسي.
لكن بما أن الشعب السوداني اعتباطي و متساهل في الوقوف عند الاخفاقات و المؤامرات التي تحاك ضد مصالحه العليا, فعادة ما يصفح الشعب عن العسكر ومحتضنيهم من الساسة بل ويسمح لهم بإدعاء البطولات و تفصيل دور وهمي في قيادة التغيير. يصفق الشعب لهؤلاء و يحن لأيام أؤلئك و ينتخب الانقلابيين عبر ممارسات ديمقراطية دون الوقوف كثيراً عند محطات الاخفاق ودون أن يحاسب حتى صارت السياسة في السودان فهلوة وبلطجة يمارسها الساسة دون حياء أو خجل.
معضلة الانقلابات العسكرسياسية لا تكمن فقط في كونها سرقة سلطة ثم تسّلط علي الشعب بل في كونها تجر من خلفها دائماً أرثاً ثقيلاً من المعارضة المسلحة التي تنشأ و تتمدد في فكر المجتمع ووعيه عبر ثقافة عنف و آليات قتل استخدمت كرد فعل للاستحواذ غير الشرعي للسلطة بواسطة العسكر وحلفائهم من المثقفين الانتهازيين واحتكارهم لها داخل مراكز أثنوجغرافية محددة، مما أعطي مساحة لشعار "ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة" و "سلم تسلم" و "شلناها بالبندقة و الدايرها يجينا بالبندقية" و غيرها من التعابير الدلالية التي تحّيد دور الشعب في امتلاك وتفويض و أسترداد السلطة و تحول الوطن بسبب تلك الشعارات الي حلبة صراع مسلح بين أطراف تفرض نفسها علي الشعب بقوة السلاح وفق منهج "لأصوت يعلوا فوق صوت البندقية"
قوي سياسية قادت انقلابات عسكرية و أخري قادت معارضات مسلحة و ثالثة اختارت أن تكون جليسة أنس الديكتاتورية البغيضة و رابعة لم تعارض و لم تشارك و لم تختار. في الآخر الجميع أبطال ومتضامنين مع الشعب وقضاياه وفق الخيال السياسي المريض للقوي "الصفرية".
ثانياً: المعارضة المسلحة : الثورة وفق التعريف التقليدي هي قيام "الشعب" عبر "نخب" و "طلائع" من "مثقفيه" "لتغيير" نظام الحكم "بالقوة". سنقف عند كل كلمة من هذا التعريف لأجل إنصاف الثورة في مقابل المعارضة المسلحة السودانية التي تستلف كلمة "ثورة" للتعبير عن نفسها.
يأتي انتقادنا "للحركات المسلحة"، كونها شريك في المأزق السياسي السوداني و تتحمل قدراً معتبراً من سلسلة الاخفاقات السياسية وتفاقم أزمات الوطن. نقدنا للمعارضة المسلحة، سمها ثورة مسلحة أن شئت، قائم علي تحليل المبدأ الراسخ في الفعل الثوري كونه يقوم علي التغيير بتبني "مطالب جماهيرية" والسعي لتحقيقها عبر قوة الجماهير أو عبر تكامل وسائل يظل ا بعد القوة الجماهيرية فيها حاضراً. وفق ذاك التعريف فالثابت في التغيير الثوري أنه تغيير جذري لا يحتفظ بممارسات ومظاهر وأيدلوجيا الانظمة موضوع التغيير.
لكن الملاحظ في تجارب "الثورات المسلحة السودانية" أنها تبدأ بسلسلة من الأحداث والتطورات العنيفة التي يعلو فيها صوت المعارك العسكرية قبل أن ينخفض تاركا المساحة "لاتفاقات سياسية" هشة لا تمس عصب التغيير المنشود. اتفاقيات أقرب للمساومات حول مناصب منها لحلول سياسية تستوعب "قضايا الجماهير". لذلك ظلت تلك الاتفاقيات تنهار، ليس فقط بسبب ضعفها في تقديم الحلول السياسية، ولكن في الغالب الاعم بسبب فقدان جنرالات "الثورات" لمناصبهم و امتيازاتهم و مكاسبهم الشخصية من "عطايا" و"منح" ما بعد الحرب.
ينتهي فصل الاتفاق وفق منهج "الثورة السودانية المسلحة" بخلاف حول المناصب و التعينات والاستوزار ليبتدئ فصل الخلاف من نفس القصة المتكررة لحرب "المصالح الذاتية عبر بوابة الشعارات الجماهيرية" من أجل المناصب في لعبة كراسي تكلف الكثير من دماء المدنيين و القليل من صبر قادة "التحرير" العظام.
من المؤسف القول أن كل تلك التحولات الدرامية في أهداف الثورات المسلحة من "يتوبيا" المطالب الجماهرية الي "ذاتية" البحث عن الكراسي و المناصب لا تعبر أطلاقاً عن روح الثورة و مبادئها في تحقيق التغيير. الحقيقة التي لاينكرها الاّ مكابر أن قادة "ثوريين" "عظام" شاركوا وظلوا يشاركون البشير ونظامه في مضاعفة معاناة الشعب عبر سلطة القمع و التدجين التي امتدت لاكثر من عقدين من الزمان في متوالية "الدخول من باب الخروج (غابة/شعبي/غابة)" ؛دون أن تحقق تلك "الثورات" حتي مجرد تغيير مفاهيمي في استيعاب أسس المشكلة السودانية ، ناهيك عن تحقيق تغيير جذري يطيح بالنظام الاسلاموي وممارساته المضادة لمصالح الشعب ورفاهيته.
رغم الارث "الثوري" الطويل من الكفاح المسلح في السودان وبالرغم من كل الاتفاقات و البرتوكولات التي بلغت أكثر من خمسين وثيقة، ظلت الازمة السياسية قائمة وظل ضحايا الحروبات الأهلية ينتظرون الحلول علي مدي العقود الممتدة، في حين ان القادة "الثوريين" يدخلون باستمرار في "صفقات سياسية" تحملهم من الاحراش للقصر الرئاسي حيناً من الدهر قبل أن "يخسروا" مناصبهم ، فيعودون أدراجهم الي "كار" البارود ولغة السلاح؛ دون أن يتعلموا من تجارب بعضهم البعض أو أن تهز مضاجعهم المعاناة القديمة المتجددة لمواطني مناطق الحروب الذين ماتوا ويموتون بشكل يومي في أنتظار رؤية "القادة العظام" يجلبون "رغيف" الحرية كل مرة يذهبون فيها لقصر البشير أو يعودون فيها "للخلاء/الاحراش".
الواضح وضوح الشمس أن "الثورة المسلحة" وفقاً للنموذج السوداني هي في غالبها منهج ارتزاق واستغباء سياسي يمارسه قادة منتفعون علي حساب قضايا أهلهم. غالباً ما تبتدئ تكتيكات "الكفاح المسلح" بحروب طاحنة يدفع ثمنها البسطاء من المدنيين قبل ان يساوم "قادتهم" علي إسكات ضجيج الحرب في مقابل مكاسب شخصية للجنرالات وحاشيتهم المقربين من الأهل و العشيرة.
ولكي نكون أكثر دقة في تحليل "الثورات المسلحة" علي أساس الاحداث و المواقف سنعود في المقال القادم لنقف علي الاطار الفكري وبنية ووعي القيادة لتلك الثورات فبل ان نتناول فلسفة حق الشعب في قيادة الثورة الجماهيرية.
نواصل

أكمل القراءه

انضم لنا على اليوتيوب

 
 
وطن السلام | by TNB ©2010 وتم تعريب القالب بواسطة مدونة نصائح للمدونين .